وتظل المعضلة الرئيسة التي يواجهها الصف الثاني من القيادة هي من يستطيع أن يخلف القائد «الشيخ» ؟ فقد جبل كل عضو منهم على الاعتقاد بأنه لا يساوي شيئًا أمام «الشيخ» ، وهذا التواضع أو الخضوع شرط من شروط تكوينه الحركي الإسلامي. فلم يتدرب معظظمهم على حرية الرأي والقيدة من خلال ممارسته للشورى الجماعية، واحترامه العظيم للشيخ يمنعه من تحدّيه أو مخالفته أو حتى مساءلته، فضلًا عن تبنيه وجهة نظر مخالفة لشيخه. ويمثل هذه العلاقة أحيانًا الشعار الصوفي القائل بأن «المرايد أمام شيخه كالميت بين يدي مغسّله» . وهكذا يتحول القرار الملحّ المطلوب من الشيخ في بعض الحالات الى مجرد دعاء فقط. ومن المؤسف أحيانا أن نرى الحالة قد تردّت الى درجة جعلت بعضهم يتهمون قياداتهم بمقولة «وافق أو نافق أو فارق» . ونحن - معاذ الله - لا نتهم كل من تولوا القيادة بأنهم كانوا على هذا النمط، ولكننا نجد بعض هذه المواصفات على الاقل في غالبية القادة والمسؤولين.
علينا اليوم أن نتدارس بجدّية وموضوعية الممارسات والتجارب العالمية الحديثة للفترة المثالية لتولّي القيادة، فهي تتراوح بين أربع وست سنوات، قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط، الامر الذي يسمح للقائد بمدة أقصاها اثنا عشر عامًا. وعند انتهاء فترة تولّي القائد مهام القيادة بإمكانه المساهمة الرشيدة الفعالة عن طريق اللجان المتخصصة أو كمستشار للقيادة الجديدة له قدره ومكانته احترام خبراته الطويلة.
هـ - غياب المؤسسات
اعتمدت الحركة في نشاطها على الافراد موكلة المهام اليهم، الامر الذي أدعى الى اعتماد الوظائف على الاشخاص، وبالتالي عدم الاستقرار وكثرة التغيرات الوظيفية ونقص فادح في تغطية الادوار. فقد كان العمل القائم على المؤسسات نادرًا - ان وجد أصلًا - وكان هناك في المؤسسات المعدودة التي أقيمت افتقار الى التخطيط والعمل بروح الفريق والتنظيم السليم. فلم تتمكن الحركة من تجسيد أهدافها عبر هذه المؤسسات، بل أصبح عبئًا على الحركة، بدلًا من أن يكون عونًا لها. وبالرغم من نجاح الافراد في الكثير من المشاريع الشخصية، الا أنهم فشلوا في إنجاح العمل الجماعي، كما أن الحركة لم تعالج حتى الان الحاجة الماسة الى «فقه المؤسسات» بلغة وتصورات معاصرة مفهومه. وسيظل عمل الدعوة مقتصرًا على الكلام حتى تبرز في بلادنا مؤسسات اسلامية عامة ناجحة، بما لا يقلّ عن معدل عشر مؤسسات كبيرة في كل بلد، قبل أن يحق لنا أن ندّعي الشروع في عملية إقامة المؤسسات بنجاح.
و - النزعة الاقليمية والنزعة القومية
إن الحركة - نظريًا - مقتنعة بوحدة الامة وعالمية الدعوة، ولكننا عمليا لا نكاد نجد صدى كاف لهذه المعاني، إذ إننا نعكس في سلوكنا توجهات وطبائع قبلية واقليمية واضحة. يظهر ذلك التصور بجلاء في لقاءاننا حيث يتعلق كل منا بأصدقائه من أبناء جلدته، وقليلًا ما نختلط اجتماعيًا بمن هم خارج دائرتنا المحلية. أما على مستوى القيادات، فقد توفّر لبعضها لقاءات دورية عالمية مع قيادات أخرى لكنها تعثرت كثيرًا بسبب ما ارتضته لحركتها من أطر وعوائق إقليمية وقومية.
رغم ان مثل تلك اللقاءات تعتبر أمرًا أساسيًا لتبادل المعلومات والتجارب ووضع الاستراتيجيات والتنسيق فيما بينها. ومع اقرارنا بأن أعداءنا يعملون ضدنا وفقًا لخطة موحدة، الا أننا لم ننجح في مواجهتهم من خلال خطة موحدة مماثلة. لقد خدعنا بالمثل القائل: «أهل مكة أدرى بشعابها» متناسين أن الاجنبي المتخصص المتابع قد يعرف اليوم عن بلادنا أكثر مما نعرف، كما أنه بإمكان بعض الخبراء أن يقدموا لاخوانهم في بلاد اخرى الكثير من النصائح والخبرات التي تفيدهم في عملهم المحلي.