الصفحة 6 من 14

جعلت وسائل الاتصال العالم اصغر واقرب يومًا بعد يوم، ومفهوم القرية العالمية يزداد تجسدًا، وهو مفهوم العالمية الذي دعا اليه الإسلام منذ ظهوره، لكن الحركة لا تزال تنظر الى شؤونها نظرة محلية وتعدّ كل منطقة وكأنها معزولة عن بقية المناطق.

ز - غياب التخطيط

إن الحركة غالبًا ما تعيش من يوم الى يوم تكافح لمجرد البقاء فقط، وقلّما أتيحت لها فرصة لوضع خطط مستقبلية سنوية أو خمسية أو عشرية. فهي تدير عملها من خلال مواجهة الازمات، وكثيرًا ما تتحول الاعمال الروتينية الى حالات طوارئ. لقد أدى غياب التخطيط المسبق الى عدم وضوح في الاهداف وسوء توزيع في الموارد وخلط في تحديد الاولويات وفقدان تحديد الوجهة، ولم يعد بإمكاننا تّبين مواطئ أقدامنا ومدى قربنا من أهدافنا أو اعتماد أسلوب منهجي لتقويم نشاطاتنا. وعليه، فإننا نمضي غافلين عن نتائج أعمالنا أو تبعاتها غير عابئين بالتخطيط السليم وبصورة الانتقال من مرحلة «عمل ما في الامكان» الى مرحلة «عمل ما يجب أن يكون» .

ح - البديل الإسلامي

لقد ظلت الحركة حتى عقد الخمسينات مشغولة بإثبات صلاحية الإسلام، ثم اتجهت بعد ذلك الى تأكيد تفوقه على غيره من الايديولوجيات، ولكنها ظلت تتحرك داخل هذه العموميات، ولم ينضج عملها خارج هذه الدائرة. فلم نتمكن، على سبيل المثال، من توفير البديل في مجال الكتاب الجامعي من منظور اسلامي وهو ما نحتاج إليه في جميع مجالات الدراسات الاجتماعية.

هذا البديل ليس عملًا تطوعيًا لبعض الوقت يقوم به الفرد المتحمس المخلص، لكنه واجب من أولويات العلماء المختصين المتفرغين، وعلى الحركة أن تنشئ العديد من المؤسسات الاكاديمية الراقية لمزاولة الاجتهاد في هذه المجالات. كما لم يعد من الممكن أن يوكل هذا الواجب الى أفراد من العلماء «النوابغ» وحدهم، اذ لا بد أن يكون مجهودًا جماعيًا. فهو عمل متخصص ومكلف وشاق، ويستغرق الكثير من الوقت، وهو عمل مستمر لا يكفيه الاعتماد مرحليا على المؤيدين والمتعاطفين. انه شرط لا بد منه لبداية النهضة الحضارية العملاقة لهذه الامة، وسيظل تفوق النظام الإسلامي من دون مجرد قناعة عاطفية. هناك حاجة الى نموذج اسلامي حي مستنير يجذب الغرب والشرق نحو حضارة الإسلام. وهذا ما يفسر اقبال المهندسين والاطباء وعلماء الطبيعيات على الحركة أكثر من اقبال علماء الاجتماع عليها، لان العموميات المشوقة تقنعهم بعقلانية وسمو الدين وسماحته وأخلاقياته، بينما يحتاج علماء الاجتماع المتخصصون الى الاقتناع بالتفاصيل. فالعموميات لا تكفي وحدها لجذب هؤلاء الى حظيرة الإسلام. وليس هذا بالوضع السويّ أو السليم، ولن يمكننا الانطلاق بالحضارة الانسانية من جديد حتى نرى غالبية قادة الحركة من علماء الاجتماع المتخصصين.

ط - الغايات والوسائل

يعاني بعض الاعضاء قدرًا من البلبلة والخلط بين الغايت والوسائل. وكثيرًا ما نلاحظ أنّ مصلحة الجماعة أصبحت معيارًا للعمل والنجاح رغم أن الجماعة ما هي في الحقيقة الا وسيلة لخدمة هدف اصلاح المجتمع. وقد أدى ذلك اللبس الى انشغال الجماعة بنفسها أكثر من انشغالها بالمجتمع الذي تقوم من أجل اصلاحه وخدمته. وقد يبين تحليل احصائي تقريبي لتوظيف وقت الاعضاء وأموالهم وجهودهم أنّ حوالي 70 % منها يصرف في معالجة الشؤون الداخلية للحركة، بينما يخصص 30 % فقط لصالح المجتمع الخارجي، في حين ينبغي أن يكون الترتيب الصحيح عكس ذلك تمامًا.

لقد أصبحت الجماعة حزبًا مقدسًا لذاته، كما لو كان الحزب قد تأسس من أجل نفسه، الامر الذي جعله لا يختلف أساسًا عن أي ناد رياضي أو جمعية تعاونية تقتصر خدماتها على أعضائها فحسب. وقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت