هم؟! قال: نعم، لم يأتِ رجل قطّ بمثلِ ما جئتَ به إلا عُودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزَّرًا. ثم لم يَنْشَبْ ورقةُ أن توفّي وفَتَر الوحي) [1] .
وبعد هذا التكليف والتشريف لسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - حمل همَّ الدعوة ونشر التوحيد، فدعا إلى الله -تبارك وتعالى- ليلًا نهارًا، وسرًا وجهرًا، وتحمَّل في سبيل ذلك مختلف أنواع العذاب من كفار فريش، ولما اشتدَّ أذى الكفار على النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه أذِن الله لهم بالهجرة والفرار بدينهم وعقيدتهم لإقامة دولة الإسلام ورفع راية التوحيد، فهاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.
وابتدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - مرحلة الهجرة وبناء الدولة من كهف صغير كما ابتدأ النبوة من كهف صغير قال الله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [2] .
وعن عروة بن الزبير أن عائشة -رضي الله تعالى عنها- زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت:"لم أعقِل أبويَّ قطّ إلا وهما يَدِينان الدّين، ولم يمرَّ علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتُلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ بَرْكَ الغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ -وَهْوَ: سَيِّدُ القَارَةِ-، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، قال بن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يُخرج، إنك تُكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكلَّ وتُقري الضيف وتُعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك."
فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يُخرج، أتُخرجون رجلًا يُكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكلَّ ويُقري الضيف ويعين على نوائب الحق؟!، فلم تكذب قريش بجوار بن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مُر أبا بكر فليعبد ربَّه في داره فليصلِّ فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستَعْلِن به، فإنَّا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر.
فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي
(1) متفق عليه.
(2) سورة التوبة، الآية: 40.