إن النَّاظر في سيرة الأنبياء -صلوات الله عليهم- وأتباعهم من عباد الله الصالحين والدعاة المصلحين، يجد أنه يسبق مرحلة التمكين والظهور؛ مرحلة الابتلاء والتمحيص. وهذا الابتلاء له صور متنوّعة ومتعدّدة؛ منها ترك الوطن والأهل والمال والفرار بالدين والعقيدة إلى الكهوف والجبال والسهول والوديان بعد شدة العذاب والتَّنكيل الذي يصبُّه أعداء الله على عباد الله.
وإذا دخلت الدعوة المباركة هذه المرحلة فإن هذا يعني أن النَّصر والتَّمكين قريب؛ قال الله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [1] .
ولبيان هذه السُّنة الرَّبانية أذكر ثلاثة أمثلة من عصور مختلفة ومتباعدة:
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (كان مَلِكٌ فيمن كان قبلكم وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليَّ غلامًا أعلمه السِّحر، فبعث إليه غلامًا يعلّمه، فكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مرَّ بالرَّاهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه. فشكى ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر.
فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل، فأخذ حجرًا، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضى الناس. فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستُبتلى، فإن ابتُليت فلا تدلَّ عليَّ.
وكان الغلام يُبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما ههنا لك أجمع إن أنت شفتني، فقال: إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوتُ الله فشفاك، فآمن بالله فشفاه الله.
فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من ردَّ عليك بصرك؟ قال: ربي، قال:
(1) سورة البقرة، الآية: 214.