الصفحة 8 من 15

وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [1] .

وها هم فتية الكهف يفرّون بدينهم وعقيدتهم إلى الكهوف من بطش الطاغية الذي كان في زمانهم، وقد كرَّمهم الله بأن جعل فِعلهم هذا يُذكر إلى يوم القيامة؛ فأنزل سورة من القرآن تذكر قصتهم وتسمَّى باسمهم، وسنَّ لنا نبينا المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أن نقرأ سورة الكهف في كل يوم جمعة لكي تبقى قصتهم حاضرة في قلب كل مسلم لا سيما في زمن الفتن والابتلاء، كما جعل حفظ أول عشر آيات منها سببًا للنجاة من بطش الدجال.

وهذا نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - يلجأ إلى غار ثور عندما أراد كفار قريش قتله، كما قال الله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [2] .

وروى البخاري ومسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله -عز وجل-: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} [3] ، قال: (نزلت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوارٍ بمكة، فكان إذا صلَّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبُّوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} ، فيسمع المشركون قراءتك، {وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} عن أصحابك، أسمِعهم القرآن ولا تجهر ذلك الجهر، {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} ، يقول؛ بين الجهر والمخافتة) .

وقد سار على هذه السُّنة الرَّبانيَّة كثير من العلماء الرَّبانيين كسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي وأحمد بن حنبل، كما هو مذكور في تراجمهم.

وقد ذكر الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي -المتوفَّى سنة 409 هـ- العلماء الربانيين الذين فرّوا بدينهم إلى الكهوف والجبال والسهول ونحو ذلك بمصنف مستقل وسماه كتاب"المتوارين".

(1) سورة آل عمران، الآيات: (52 - 57) .

(2) سورة التوبة، الآية: 40.

(3) سورة الإسراء، الآية: 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت