الصفحة 104 من 179

على ذلك القرطبي [1] ، فهو فرض عين على أهل البلد وفرض على عين وقعت عليه الحاجة، فهذا الكلام ليس محل سياسة ولا محل الرأي، فهذا دفع الصائل الذي يسمى جهاد الدفع نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على أنه ليس أوجب بعد توحيد الله منه، وأنه يُدفع بالمتيسّر ولا يشترط له شرط. [2]

-أمّا الحالة الثانية فهي قتال الحكومات؛ وهي الحالة التي سألت أنت عنها، واقع المناط السياسي الذي ستجده لو درست حال هذه الحكومات، فستجد -كما كنت أشرح البارحة للإخوة بحضورك- أنه كان هناك حملة صليبية أولى في القرن الرابع عشر وكان فيها جزء من المساهمة اليهودية، ثم كانت هناك حملة صليبية ثانية في القرن الثامن عشر، وكانت يهودية صليبية مختلطة.

ثمّ لمّا خرجت الحملة الصليبية الثانية أوكلت الحكم لمجموعة من العوائل المالكة والأحزاب القومية والفكرية والعقدية والماسونيّة الموجودة في بلادنا، فصار هؤلاء الحكام المرتدون الحاكمون بغير ما أنزل الله، الموالون لليهود والنصارى رأس حربة الصائل في بلادنا، فكما قلت: يجب دفع الصائل العام من اليهود النصارى فدفع هؤلاء واجب من باب الملحق والأوجب، فهم مرتدون تحالفوا مع اليهود والنصارى.

وقد يقول قائل -كما يقول بعض علماء السلاطين الآن-:"أنت لم تنصحوا هؤلاء الحكام ولم تبيّنوا لهم"، فدعنا نحمل هؤلاء الناس على قدر عقولهم فنقول:"لا يجوز الخروج بالسلاح حتى ننصح"، أفلم يحصل -على علم كل البشر- نصح؟

الحركة والإسلامية والصحوة الإسلامية عمرها اليوم 75 سنة حيث انطلق في الثلاثينات، وفي كل بلد إسلامي من سوريا إلى مصر إلى الجزيرة أخيرًا؛ خرج الدعاة وذهبوا إلى الحكام ورفعوا عرائض وطلبوا طلبات ونصحوا سرًا وجهرًا، ما كان من الحكومات إلا أن {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} ، ثمّ بعد ذلك ذهبوا {يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاس} .

(1) يقول الإمام القرطبي في تفسيره 3/ 38:"قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالَّذِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ أَنَّ الْجِهَادَ عَلَى كُلِّ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِذَا قَامَ بِهِ مَنْ قَامَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ الْعَدُوُّ بِسَاحَةِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ حِينَئِذٍ فَرْضُ عَيْنٍ".

(2) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (الفتاوى الكبرى) 5/ 538:"وَأَمَّا قِتَالُ الدَّفْعِ فَهُوَ أَشَدُّ أَنْوَاعِ دَفْعِ الصَّائِلِ عَنْ الْحُرْمَةِ وَالدِّينِ فَوَاجِبٌ إجْمَاعًا فَالْعَدُوُّ الصَّائِلُ الَّذِي يُفْسِدُ الدِّينَ وَالدُّنْيَا لَا شَيْءَ أَوْجَبَ بَعْدَ الْإِيمَانِ مِنْ دَفْعِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ شَرْطٌ بَلْ يُدْفَعُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ."اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت