الصفحة 105 من 179

الإخوان المسلمون في مصر سجنوا عشرين سنة، ثم الآن مسجونون من سبع أو خمس سنوات، في سوريا قاموا بالإعدامات والمجازر، وكذلك في السعودية؛ وهل هناك أرقّ حاشية من الدعاة السعوديين؟ أمثال سَفَر وسلمان الذين يعترفون بشرعيّة وليّ الأمر، ويعترفون بأن الدولة شرعية، ويدعون لهم في المساجد والصلاوات، ومع ذلك عندما تكلموا بجزء من الحق وجزء من النصيحة وبجزء مما هو حاصل من الاحتلال والضرر والفسوق عند المسلمين، أخذوهم ووضعوهم في السجون، والآن تعفن الناس في السجون ستة سنوات ولا يسأل عنهم أحد.

فأقول لم يكن علينا أن نستأذن العدو قبل الخروج عليه لأنه عدو صائل، والخروج عليه واحب ونقل القاضي عياض الإجماع على أن الحاكم إذا كان كافرًا أو طرأ عليه الكفر فيجب الخروج عليه [1] ، بل الإمام الجويني قال في كتابه (كتاب غياث الأمم في التياث الظلم) في الفقرة 154، له فتوى عظيمة ذكر فيها أن الحاكم لو لم يكفر بل إذا وَاصَلَ مِنْهُ الْعِصْيَانُ، وَفَشَا مِنْهُ الْعُدْوَانُ، وَظَهَرَ الْفَسَادُ، وَزَالَ السَّدَادُ؛ -وبدأ يصف حكام بلادنا- أنه بهذه الحالة انتفى منه سبب وجود الإمامة وهو أن يقوم الناس بالقسط، فهذا خلعه واجب. بل قال الإمام الجويني كلام من أعظم الكلام، قال أنه أن يبقى المسلمين يأكل قويهم ضعيفهم بلا حكومة حتى يهيّئ الله تعالى لهم من يجمع كلمتهم خيرٌ لهم من أن يكونوا تحت حكومة تنظّم الإجرام، هذا فحوى كلامه [2] .

فهذا الحل العسكري أصبح لازمًا شرعًا، مفروضًا منطقًا، واقعًا سياسةً، وإلا كيف تريد أن تواجه رجلًا يحمل رشّاشًا ويشنق الناس؟ الآن 60 ألف في السجون في مصر، 30 ألف أُعدموا في السجون في سوريا، 15 ألف مسجونًا في السعودية، وقِس على ذلك حالة العالم العربي والإسلامي كله، فكيف يكون الحل مع مثل هؤلاء؟ حتى منظمات العفو الدولية الكافرة الصليبية ملأت الدنيا تقاريرًا عن شرور هؤلاء الحكام.

(1) يقول القاضي عياض كما نقل عنه الإمام النووي في (شرحه لصحيح مسلم) 12/ 229:"أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر".

(2) يقول الشيخ الجويني في كتابه المذكور:"فَأَمَّا إِذَا تَوَاصَلَ مِنْهُ الْعِصْيَانُ، وَفَشَا مِنْهُ الْعُدْوَانُ، وَظَهَرَ الْفَسَادُ، وَزَالَ السَّدَادُ، وَتَعَطَّلَتِ الْحُقُوقُ وَالْحُدُودُ، وَارْتَفَعَتِ الصِّيَانَةُ، وَوَضَحَتِ الْخِيَانَةُ، وَاسْتَجْرَأَ الظَّلَمَةُ، وَلَمْ يَجِدِ الْمَظْلُومُ مُنْتَصِفًا مِمَّنْ ظَلَمَهُ، وَتَدَاعَى الْخَلَلُ وَالْخَطَلُ إِلَى عَظَائِمِ الْأُمُورِ، وَتَعْطِيلِ الثُّغُورِ، فَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِدْرَاكِ هَذَا الْأَمْرِ الْمُتَفَاقِمِ عَلَى مَا سَنُقَرِّرُ الْقَوْلَ فِيهِ عَلَى الْفَاهِمِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - وَذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَةَ إِنَّمَا تُعْنَى لِنَقِيضِ هَذِهِ الْحَالَةِ. فَإِذَا أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى خِلَافِ مَا تَقْتَضِيهِ الزَّعَامَةُ وَالْإِيَالَةُ، فَيَجِبُ اسْتِدْرَاكُهُ لَا مَحَالَةَ، وَتَرْكُ النَّاسِ سُدًى، مُلْتَطِمِينَ لَا جَامِعَ لَهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ أَجْدَى عَلَيْهِمْ مِنْ تَقْرِيرِهِمْ عَلَى اتِّبَاعِ مَنْ هُوَ عَوْنُ الظَّالِمِينَ، وَمَلَاذُ الْغَاشِمِينَ، وَمَوْئِلُ الْهَاجِمِينَ، وَمُعْتَصَمُ الْمَارِقِينَ النَّاجِمِينَ ... فَأَقُولُ: إِنْ تَيَسَّرَ نَصْبُ إِمَامٍ مُسْتَجْمِعٍ لِلْخِصَالِ الْمَرْضِيَّةِ، وَالْخِلَالِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي رِعَايَةِ الرَّعِيَّةِ، تَعَيَّنَ الْبِدَارُ إِلَى اخْتِيَارِهِ، فَإِذَا انْعَقَدَتْ لَهُ الْإِمَامَةُ، وَاتَّسَقَتْ لَهُ الطَّاعَةُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، فَهُوَ إِذْ ذَاكَ يَدْرَأُ مَنْ كَانَ، وَقَدْ بَانَ الْآنَ أَنَّ تَقْدِيمَ دَرْئِهِ فِي مُهِمَّاتِ أُمُورِهِ، فَإِنْ أَذْعَنَ، فَذَاكَ، وَإِنْ تَأَبَّى عَامَلَهُ مُعَامَلَةَ الطُّغَاةِ، وَقَابَلَهُ مُقَابَلَةَ الْبُغَاةِ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت