يفهموا الجواب بأدلته، فإما أن يسألوا علماء موثوقين مُختفيين الآن، ولا أريد أن أذكر لك أسماء بعض العلماء الذين نسألهم ونرجع إليهم حتى لا يُضَمُّوا إلى قائمة المقتولين والمخطوفين، ولكن يوجد بعض النوابغ من الصالحين يسألهم التيار الجهادي. وإما الأمر الآخر أن ينظروا في كتب العلم وكتب السلف وكتب الفقه، خاصّة أبواب الجهاد وأبواب دفع الصائل؛ فيجدوا مسائل بعينها هي بمناطاتها نفس المسائل المعروضة علينا اليوم، فيأخذوها ويقولوا وجدنا كذا بدليل كذا، فهذا هو قصارى الجهد الذي نستطيع أن نعمله، أما أن هناك علماء في التيار الجهاد فلا.
ولكن هناك نقطة أريد أن أوضِّحها لك، وهي أنه بسبب هذا البلاء ظهر في التيار الجهادي مصطلحان خطيران جدًا، وهما جاءانا من التيار السلفي وأوساط طلبة العلم، كنت أعرف أنا من كل كتب العلم: أن هناك عالمًا وجاهلًا، كما قال الرسول -عليه الصلاة والسلام-: (رَجُلٌ يَدْرِي ويَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي فَذَلِكَ عَالِمٌ فَاتَّبِعُوهُ وَسَلُوهُ، وَرَجُلٌ لَا يَدْرِي ويَدْرِي أَنَّهُ لَا يَدْرِي فَذَلِكَ جَاهِلٌ فَعَلِّمُوهُ) [1] .
الإشكال في اصطلاح (طالب علم) واصطلاح (أخ عنده علم) ، وهذا كلام مطّاط؛ فأنا أخ عندي علم، وأنت أخ عندك علم، وهذا أخ عنده علم، وولدي الصغير أخ عنده علم، وجاري أخ عنده علم، وأمي أخت عندها علم، ولكن ما حدود هذا العلم وما طوله وما عرضه وما سماكته؟ وهو في أي مستوى؟ وهل يحق له أن يستنبط؟
فالمشكلة أنه عندما يقال لك أنه (طالب علم) أو (أخ عنده علم) فيمكن أن يكون ذلك صحيحًا بمعنى أنه يطلب العلم وأنه ما زال يسعى ويجمع العلم، ولكن المشكلة في التيار الجهادي والتيار السلفي -خاصة الذي تصدّر للفتوى- أنّه صار هذا المصطلح من أكبر البلاءات التي نزلت بنا؛ لأن (طالب العلم) هذا أو (الأخ الذي عنده علم) بدأ يقتحم المسائل التي لو عرضُت على عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لجمع لها أهل بدر والشجرة، ويُفتي بها على الطاير!!
وشهدت في لندن من (الأخوة الذين عندهم علم) ومن (طلبة علم) عندما يفتون في قضية الجزائر كما ذكرت لك، وشهدت هنا في أفغانستان ناسًا يُسألون عن المسألة الواحدة أو عن خمس مسائل في المجلس فيُجيبون عليها، ويُفرِّع عليها ويُركِّب (رشاش فتاوى) بزناد واحد، ويُطلق: فتاوى، فتاوى، فتاوى ... وخلط في دين الله تعالى بعلم وبغير علم، وخرجت عندنا موبقات أُلصِقَت في التيار الجهادي.
وهذا مما أريد أن أنبه إليه، أن التيار الجهادي بريء من هذا البلاء ولكن أُلصق به إلى حد كبير جدًا، وأصبح بابًا من أبواب التعيير التي يعيّروننا بها، فيقولون:"انظروا هؤلاء كيف يفتون وكيف يقولون"؛ فمن قائل أن الجماعات الجهادية
(1) [أخرجه ابن عبد البر في (جامع بيان العمل) وفضله 2/ 820 عن الخليل بن أحمد وليس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-] .