له تقوى، وأن عنده كفاية. فذكر ضمن ما ذكر من الشروط:"معرفة الناس"، ثم قال ابن القيم:"وهذا أصل عظيم"، وأخذ يشرح هذه النقطة في خمس صفحات، وكان خلاصة ما قال أن المفتي إذا كان لا يعرف حال الناس ولا يعرف واقعهم ولا ملابسات الواقع لهذه الفتوى؛ فإنه يلتبس عليه الأمر، ويظهر له الزنديق بمظهر الصديق، إلى آخره، وارجعوا للنص، واظنها في الجزء الثاني من (إعلام الموقعين) [1] .
فإذا لم يعرف الناس واقع الحالة الطبية لا يكون هناك فتوى طبية، وهذا أمر بدهي معروف عند العلماء وعند طلبة العلم وعند كل الناس، الذي يريد أن يفتي فتوى جغرافية فيجب أن يعرف واقع الجغرافيا، والذي يريد أن يفتي فتوى تاريخيّة يجب أن يعرف واقع التاريخ، فأنت إذا سألت هل المريضة تفطر أو لا تفطر؟ فستُجاب بجواب عام، يقول لك كلامًا عامًا، إذا كانت ستتأذى هي أو رضيعها تفطر، فإذا سألته: هل أم أحمد تفطر؟ فلن يجيبك العالم بل سيحيلك لطبيب مسلم ثقة يدرس حالتها وحالة الولد، ثم يقول لك بناءً على تقرير طبي تفطر أو لا تفطر.
والآن عندما تذهب إلى الصيدلية فستجد أن دواء التيفوئيد معروف، ودواء الملاريا معروف، فهذا هو حكم الطب في المرض، ولكن المصيبة في تشخيص المريض، هل هذا المريض عندها كذا أو كذا، فهذا هو الواقع الطبي، ومن هنا نشأ المصطلح العظيم في هذه الفترة (فقه الواقع) وعلم الواقع.
فإذا جئنا إلى موضوعنا، أحب أن أؤكد على نقطتين أولًا: أنا لست مفتيًا، وأنا تقريبًا ليس عندي كتاب أو شريط إلا ونوّهت فيه إلى هذه القضية، فأنا لست مفتيًا، وليس في نيتي في المستقبل أن أدرس وأكون مفتيًا، أنا حاولت أن أعمل في سبيل الله ونيتي في المستقبل أن أتابع في هذا المجال؛ مجال الجهاد والقتال والدعوة، أما أنّ أكون مفتيًا فالحمد لله، أسأل الله العافية ولا أريد أن أقف في هذا الموقف.
سيقول لي بعض الناس أنك قلت كلامًا هو على سبيل الفتوى، فتقول لا أفتي ثم في الشريط تفتي، فأقول هذا الكلام سألت عنه بعض الناس، في بعض الأحيان أُسمّيهم وأحيانًا لا أسمّيهم، فيقولون:"كذا، والدليل كذا وكذا"، أو أني
(1) يقول ابن القيم في (إعلام الموقعين) 4/ 152: (عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ:"لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُنَصِّبَ نَفْسَهُ لِلْفُتْيَا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ) ، أَوَّلُهَا: أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نُورٌ وَلَا عَلَى كَلَامِهِ نُورٌ."
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ عِلْمٌ وَحِلْمٌ وَوَقَارٌ وَسَكِينَةٌ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا عَلَى مَا هُوَ فِيهِ وَعَلَى مَعْرِفَتِهِ. الرَّابِعَةُ: الْكِفَايَةُ وَإِلَّا مَضَغَهُ النَّاسُ. الْخَامِسَةُ: مَعْرِفَةُ النَّاس"، ( .... ) وأمَّا قوله:"الخامسة معرفة الناس"، فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم، فإن لم يكن فقيهًا فيه، فقيهًا في الأمر والنهي، ثم يطبق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فإنه إذا لم يكن فقيهًا في الأمر، له معرفة بالناس، تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراجَ عليه المكر، والخداع، والاحتيال، وتصور له الزنديق في صورة الصديق، والكاذب في صورة الصادق، ولبس كل مبطلٍ ثوب زور تحتها الإثم، والكذب، والفجور، وهو لجهله بالناس وأحوالهم، وعوائدهم، وعرفياتهم، لا يميز هذا من هذا، بل ينبغي له أن يكون فقيهًا في معرفة مكر الناس، وخداعهم، واحتيالهم، وعوائدهم، وعرفياتهم، فإنَّ الفتوى تتغير بتغير الزمان، والمكان، والعوائد، والأحوال، وذلك كله من دين الله، كما تقدم بيانه وبالله التوفيق."