السبب الأول: أن كل الجماعات التي تعمل في الساحة -سواء خطأ أو صواب جيدة أو غير جيدة- كلّها تقريبًا تشترك في توجهها القُطري؛ فتجد الجماعة الإسلامية توجهها مصري، وعناصرها مصريين، وقياداتها مصريين، وفكرها له علاقة بالوضع في مصر، وجماعة الجهاد مثل ذلك، والجماعة المقاتلة قضيتها الأساسيّة قضية ليبيا، وأغلب عناصرها ليبيين، وإن كان فيها نفس طيب بالتوجه لتلوين هذه القضية قليلًا، ولكن تبقى القضية الليبية هي الهدف بالصورة الرئيسية، بالنسبة للجماعات الأخرى في الجزائر كلها كان لها هذا الانطباع.
فكونها مشتغلة بالقطر، وفي سوريا ليس عندنا جهاد، فأنا بالنسبة لي عضويًا بعيد عن الموضوع، فانحصر دوري في الشورى وفي المساعدة، وحتى في المشاركة المباشرة كما حاولت في الجزائر، عندما كنت أرغب بالسفر للجزائر للجماعة الإسلامية المسلحة ولم أستطع؛ لم يكن ذلك من باب الانضمام للجماعة المسلّحة، وإنّما من باب مساعدة الإخوة، ولو حصل جهاد في ليبيا أو في المغرب واحتاجونا فسنذهب ولكن ليس من باب الانضمام.
فأولًا لا أحد طلب منا أن ننضم لأنّ التوجه بهذا الشكل، ولا أنا فكرّت أن أنضم لأن القضايا تأخذ منحى قطري. أمّا بالنسبة لمشاركتنا في أفغانستان؛ عندما جئت إلى هنا وكان التوجه دوليًا؛ فكان لي مساهمة شبه عضوية سواء مع الشيخ عبد الله أو مع الكتائب الأخرى، ولم يكن عندي بأس في الأمر.
أما الأمر الآخر: فالحقيقة أنا الآن بعد هذا المسار وكل هذه السنوات الطويلة -تقريبًا عشرين سنة منذ خرجت من سوريا- صار عندي قناعة بالكلام الذي أوجزه الشيخ سلمان العودة -فرج الله عنه-، فقال:"الشخصية العامة -للكاتب أو الشيخ أو العالم أو المفكر أو الداعية- خيرٌ له أن يبقى رصيدًا للأمة، ورصيدًا للجماعات، ورصيدًا للتيار، ورصيدًا للصحوة، ورصيدًا للدعوة؛ بدل أن يُحصر رصيدًا لحركة بعينها". وهو كان في جماعة فيما يبدو لي، كان ضمن التيار السروري، هكذا علمت منه، ولكن بعد ذلك استقال وبقي بعض أقرانه فيه.
فعندما يُحصر الإنسان في جماعة بعينها يصبح أسير منهجها وقيادتها وظروفها، فيتقيّد في العطاء، ويصير مُقيّدًا في ظروف هذه القضية، فأنا مِلت إلى هذا الرأي وأعتبر أنه صائب إلى حد كبير، وأنا أعتبر نفسي في المرحلة الحالية -على قلّة ما عندي- شخصيّة عامّة، ولست معدودًا على جماعة بعينها، ورأيت أن هذا أريح لي وأفضل لي، وهكذا أبقى صاحبًا للجميع وأخًا للجميع وأعطي مع عندي وآخذ منهم وأساعدهم وأشارك.
ولكن مع ذلك عندما سأجد مشروعًا يُمكن أن يلعب الإنسان فيه دورًا إيجابيًا، فأنا من حيث المبدأ رجل عامل في هذا التيّار قبل أن أكون مفكرًا فيه، عندما أجد مثل هذه المبادر فلن أقصِّر -بإذن الله سبحانه وتعالى-، وعدم انضمامي لهذه الجماعات ليس لعيب فيها ولا لخلافات ولا لأن عندي ملاحظات على قياداتها، أنا عندي ملاحظات