الصفحة 33 من 35

وفي اللحظة التي أنهت فيها قوات الغزو سيطرتها على القصر الرئاسي، أنهت السفارة السوفيتية حفلها الذي أقامته لكبار الضباط الأفغان، الذين غادروا مبنى السفارة ثملين، وقبل وصولهم إلى منازلهم سمعوا طلقات الرصاص تدوي في أرجاء العاصمة، وبصعوبة أدركوا ما يجرى، حاول بعضهم التوجه إلى وحدته .. ولكن بلا جدوى.

ضابط كبير عمل لاحقا في صفوف المجاهدين قال أنه في ليلة الغزو السوفيتي فوجئ ضابط المطار بطائرات عسكرية سوفيتية تهبط على المدرجات بدون إذن مسبق، فساد شعور من الارتباك إذ اكتشف الجميع أنه لم يكن هناك من يعلم بأمر هذه الطائرات ولا بمن أعطاها الإذن بالهبوط، فأخذوا يتصلون بالقيادات العليا، وحاولت تلك القيادات أن تتصل برئيس الجمهورية للاستفسار منه إن كان قد سمح باستقبال الطائرات السوفيتية.

ولما كانت الاتصالات مع القصر الجمهوري مقطوعة فلم يصل هؤلاء الضباط إلى نتيجة.

الجنود السوفييت الذي هبطوا بالمدرعات من جوف طائرات الأنتينوف العملاقة، استولوا بسرعة على مرافق المطار ومنه زحفوا بسرعة على العاصمة.

أما الرئيس"أمين"فقد علم المجاهدون أن طبيبه الخاص كان عميلا للسوفييت وقد دأب على دس السم له أثناء العلاج، وفي ليلة الغزو كان"أمين"مسلوب الإرادة وغير قادر على اتخاذ أي قرار.

انطلقت من إذاعة كابل البيانات الحماسية التي تعلن سقوط حكم"أمين"وتنصيب رئيس جديد للجمهورية هو"بابراك كارمل"، وتعلن إطلاق سراح أعضاء حزب"بارشام"الشيوعي الذين اعتقلهم"أمين". وإطلاق سراح الجنرال"عبد القادر"، ثم دوى صوت الرئيس الجديد"بابراك كارمل"معلنا بقوة:"لقد تمت الإطاحة بنظام حفيظ الله الفاشستي".

لم تكن تلك البيانات في الحقيقة سوى شرائط تم تسجيلها مسبقا في طشقند حيث كان"كارمل"يتربص منتظرا أن يستدعيه السوفييت لاعتلاء عرش كابل.

وفي إحدى الليالي وتحت جنح الظلام أقلته طائرة"أنتينوف"سوفيتية من طشقند إلى كابل، ليصبح ثالث رئيس شيوعي في تاريخ أفغانستان.

سرعة الضربة وقسوتها أفقدت سكان كابل ليس فقط القدرة على ردة الفعل بل على مجرد تصور ما يحدث، وباقي سكان البلاد كانوا مشدوهين أو سكارى من هول ما يرونه، وأصيب الجميع بالشلل والعجز، ولا يريد أحد حتى أن يصدق ما يرى وما يسمع.

بوادر الجهاد

بوصول"تراقي"إلى سدة الحكم كأول رئيس شيوعي في تاريخ أفغانستان.

ونجاح النظام الشيوعي في السيطرة على البلاد بسرعة خاطفة، شن علماء الدين حملة انتقاد عنيفة على نظام الحكم السابق للرئيس"داود"صهر وابن عم الملك"ظاهر شاه". واتهموا الاثنين بأنهما فتحا الباب على مصراعيه لتغلغل الأفكار الشيوعية بين الشباب وتزايد النفوذ السوفيتي في البلاد، والتوسع في إرسال طلاب المدارس العسكرية والضباط لتلقى علومهم في موسكو حيث يتم تلقينهم المبادئ الشيوعية.

وكان عهد"داود"هو الذي بدأ فيه إنشاء التنظيمات الشيوعية وإقحام تلك التنظيمات داخل أجهزة الأمن والإدارة المدنية.

ولكن بعد شعور"داود"بالخطر المحدق به من أصدقائه الشيوعيين، وأن الضغوط السوفيتية أخذت تتزايد عليه، بادر إلى اعتقال الزعماء الشيوعيين البارزين في محاولة للسباق مع الزمن، ولكن الفرصة كانت قد أفلتت من بين يديه، واستطاع الشيوعيون أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت