محاولة للعصيان سوف تجابه بأقصى درجات العنف، وأن الناس خائفون ومقتنعون بأن بنادقهم لن تجدي نفعا أمام دبابات الحكومة وطائرات الميج التي تمسح سماء منطقتهم عدة مرات يوميا.
ثم زودوا جلال الدين ومجموعته ببعض الأطعمة، واعتذروا لهم بعدم القدرة على المساعدة بأكثر من ذلك، ثم عادوا من حيث أتوا.
كان اللقاء مخيبا للآمال ومحبطا لعزيمة أشجع الرجال.
في الصباح كانت الحكومة على علم بوجود جلال الدين ومجموعته، فأرسلوا عدة مفارز لتمشيط الجبل، وتزايد نشاط الطائرات في سماء المنطقة، فتقهقر جلال الدين ورجاله إلى الجبال الوعرة، أوشك الطعام على النفاذ وكاد الحمار أن يموت من الإعياء ومشقة الطريق.
في المساء جلسوا للتشاور، أوقدوا نارا للتدفئة، كان جلال الدين منهكا وجائعا ولكنه صلبا لا يلين وأصحابه المنهكين الجائعين المطاردين قد نفذ برد الجبال إلى عظامهم، كان هو أمير الركب وعليه أن يتخذ القرار وأن يوضح لهم كيف يتصرفون.
في هذه اللحظة العصيبة قال لهم جلال الدين: ـ سنجاهد في سبيل الله ولو خذلنا الناس جميعا، وما النصر إلا من عند الله. لن نخاف جيش الحكومة وقد قال الله لنا"والله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين"، نحن سبعة أشخاص في مواجهة جيش من ثمانين ألفا ولكن الله قال"وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله". ولنا عبرة في نصر الله سبحانه وتعالى للمؤمنين على جالوت وجيشه الضخم، ونصره تعالى لموسى وقومه الأذلاء على فرعون وجيشه الجبار، وكلنا يحفظ أحداث غزوة بدر ونصر الله لرسوله الكريم وصحبه الكرام، فمن أراد منكم الدنيا ونعيمها فليرجع إلى أهله ويعيش راضيا إن شاء في ذل النفي أو قهر الكفر، ومن أراد الشهادة فليبق معي، فغدا بعد صلاة الفجر نهاجم الحامية الحكومية التي في الوادي، وليقض الله أمرا كان مفعولا.
سالت العبرات من أعين الرجال وقاموا واحدا تلو الآخر فتوضؤا من جدول قريب ينساب ماؤه الصافي من بطن الجبل .. وظلوا يتهجدون إلى منتصف الليل. فالصبح موعدهم مع الشهادة.
انتهى الرجال من صلاة الفجر وتناول كل منهم بندقيته يتفحصها بسرعة ووضعوا أحزمة الطلقات على أكتافهم وهمس جلال الدين مبتسما مشرق الوجه:"الله يا ريح الجنة".
ابتسم الرجال وتجهزوا للرحيل، رفع جلال الدين يديه إلى السماء والتف الرجال حوله يؤمنون على دعائه، واغرورقت عيناه بالدمع، وقال من الدعاء ما كان يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدء القتال.