الصفحة 110 من 340

لما عرض النبي - صلى الله عليه وسلم - على عمه أبي طالب كلمة التوحيد لا إله إلا الله؛ أي: لا معبود بحق إلا الله، علم أبو جهل ومن معه أن مراده - صلى الله عليه وسلم - من هذه الكلمة نفي الشرك وإخلاص العبادة لله وحده، فلو قالها أبو طالب لبرئ من ملة عبد المطلب وهي الشرك فلذلك منعوه من قولها، بخلاف من يدعون العلم ويجهلون معناها، فيحكمون على كل من تلفظ بها بأنه مسلم، ولو كان يعبد الأنبياء والصالحين، ويتقرب إليهم بالدعاء والذبح والطواف حول قبورهم، فعجبا لمن أبو جهل أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله

وهذا الحديث يقطع وسائل الشرك بالرسول وغيره، فالذين يلجئون إليه - صلى الله عليه وسلم - ويستنجدون به مشركون، فلا ينفعهم ذلك، لأنه لم يؤذن له أن يستغفر لعمه مع أنه قام معه قياما عظيما ناصره وآزره في دعوته، فكيف بغيره ممن يشركون بالله؟

وتبين من هذه الواقعة مضرة تقليد الآباء والكبراء على ضلالتهم؛ فحينما عرض - صلى الله عليه وسلم - على عمه كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ليشهد له بها عند الله عرض المشركون عليه أن يبقى على دين آبائه الذي هو الشرك، وأعاد - صلى الله عليه وسلم - طلب التلفظ بالشهادة من عمه، وأعاد المشركون المعارضة، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلقنوه الحجة التي يحتج بها المشركون على الرسل، وهي تقليد الآباء والأجداد { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ } [الزخرف: 23] وكان آخر ما قاله أبو طالب: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: (لا إله إلا الله) فمات على الشرك ومتابعة الآباء لما لله في ذلك من الحكمة، وليعلم أن هذا الدين لا ينال بالنسب والقرابة وإنما يحصل بالتقوى، وأفادت القصة أن الأعمال بالخواتيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت