فهرس الكتاب
وقد حرص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على حماية التوحيد، واشتدت شفقته على أمته وحرصه على هدايتها حتى في الأوقات العصيبة، إذ إنه لما نزل ملك الموت عليه السلام لقبض روحه الشريفة لاقى من شدة سكرات الموت وهولها، ومع ذلك حرص على حماية التوحيد، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزل برسول - صلى الله عليه وسلم - طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك:"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"يحذر ما صنعوا ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا رواه البخاري ومسلم.
خشي - صلى الله عليه وسلم - على أمته أن يضلوا بعده فيعظموا قبره كما فعل اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم يتعبدون فيها لله، حتى آل بهم الأمر إلى عبادة أنبيائهم، ولم يكن هذا اللعن في سياق الموت لهاتين الطائفتين الضالتين إلا على سبيل التحذير الشديد، لئلا تقع أمته - صلى الله عليه وسلم - في شيء من فعلهم عند قبره، واللعن ليس مختصا باليهود والنصارى بل يعم كل من فعل فعلهم.
قال القرطبي: وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة من فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام.
وقال شيخ الإسلام: ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله، والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد.
أما لعن من فعله كما في حديث عائشة رضي الله عنها، فذلك لأن التردد على القبور يوجب التأله لأربابها، ويورث عبادتهم.
والصلاة عندها من اتخاذها مساجد فمن صلى عند القبور فقد اتخذها مساجد فهو داخل في لعن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومرتكب نهيه شاء أم أبى، وفائدة التنصيص على زمن النهي، يقضي بأنه من الأمر المحكم الذي لم ينسخ لكونه صدر في آخر حياته - صلى الله عليه وسلم -.
ثم قال رحمه الله: وإن لم يبن مسجد أي إن الصلاة عند القبور وإليها من اتخاذها مساجد، الملعون من فعله، ولو بدون بناء مساجد.