الصفحة 132 من 340

ويدل أيضا على أن قصد القبر للسلام إذا دخل المسجد ليصلي منهي عنه، لأن ذلك من اتخاذه عيدا وأنه لم يشرع، وكره الإمام مالك رحمه الله لأهل المدينة كلما دخل الإنسان المسجد أن يأتي قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك، وإنما كانوا يأتون إلى مسجده فيصلون، فإذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا، ولم يكونوا يأتون القبر للسلام، لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه صلاة الله عليه وسلم في الصلاة أفضل وأكمل وكانت الحجرة في زمانهم يؤتى إليها من الباب، ومع التمكن لا يدخلون عليه لا للسلام ولا للصلاة، ولا للدعاه لأنفسهم ولا لغيرهم، فلم يكونوا يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره لنهيهم بقوله:"لا تتخذوا قبري عيدا"وغير ذلك، وإن كان يأتي أحدهم من الخارج إذا قدم من سفر، كما كان ابن عمر يفعله، فيقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، والسلام عليك، يا أبتاه، ثم يتصرف ولا يقف للدعاء.

قال شيخ الإسلام: لأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة، فصار بدعة واتفق الأئمة على أنه إذا دعا لا يستقبل القبر، وفي هذا الحديث أيضا دليل، على منع شد الرحل إلى قبره - صلى الله عليه وسلم - أو غيره من القبور والمشاهد لأن ذلك

من اتخاذها أعيادًا، ومن أعظم أسباب الإشراك بها كما هو الواقع، واتفق الأئمة على المنع من ذلك؛ لما في الصحيحين:"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"فدخل في النهي شدها لزيارة القبور والمشاهد، بل هي أولى بالنهي.

وبهذا يتبين لنا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهى عن اتخاذ القبور عيدا؛ حماية لجناب التوحيد سدا لكل طريق يوصل إلى الشرك، وهذا من كمال شفقته - صلى الله عليه وسلم - ورحمته بأمته وحرصه على هدايتهم، فعلينا اتباع أمره واجتناب نهيه، ففي ذلك الفوز والفلاح العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت