فهرس الكتاب
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 106] فالقنوط من المحرمات المنقصة لتوحيد العبد؛ لأنه سوء ظن برب العالمين، وجهل برحمة الله وجوده ومغفرته ولذا وصف الله أهله بأنهم أهل الضلال الذين أخطئوا طريق الصواب، فقال: { قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ } [الحجر: 56] .
والمؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء، فلا يغلب جانب الخوف فيقع في كبيرة القنوط من رحمة الله، ولا يغلب جانب الرجاء فيقع في كبيرة الأمن من مكر الله، بل يكون بينهما كالجناحين للطائر، فهو خائف من ربه راج ثوابه، إن وقع في ذنب خاف من عقاب الله، وإن فعل طاعة رجا ثواب الله قال تعالى: { وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ } [الإسراء: 57] .
فينبغي له عند استكمال العافية والنعم أن يرجح جانب الخوف، فإنه إذ غلب الرجاء الخوف فسد القلب، وعند المصائب والموت يغلب جانب الرجاء ويحسن الظن بالله عز وجل.
وخوف العبد ينشأ من أمور: معرفته بالجناية وقبحها، وتصديق الوعيد، وأن الله رتب على المعصية عقوبتها، وكونه لا يعلم لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب، وبهذه الثلاثة يتم له الخوف وقوته بحسب قوتها وضعفها، وذلك قبل الذنب، فإذا عمله كان خوفه أشد.
هذا هو الواجب على المؤمن، وبه تحصل السعادة له في الدنيا والآخرة.
قال ابن القيم: وأما خوف أوليائه من مكره فحق، فإنهم يخافون أن يخذلهم بذنوبهم وخطاياهم فيصيرون إلى الشقاء، فخوفهم من ذنوبهم ورجاؤهم لرحمته وقوله تعالى: { أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ } [الأعراف: 99] إنما هو