فهرس الكتاب
وإذا تاب العبد من زلته وعاد إلى ربه تائبًا منيبًا، فعليه بعدم القنوط من رحمة ربه التي وسعت كل شيء قال تعالى: { قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ } [الحجر: 56] .
وفي الترمذي وغيره مرفوعًا:"العاجز الراجي لرحمة الله أقرب منها من العابد القنط"وقال تعالى: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا } [الزمر: 53] .
قال شيخ الإسلام: القنوط بأن يعتقد بأن الله لا يغفر له، إما بكونه إذا تاب لا يقبل توبته، وإما أن يقول: نفسه لا تطاوعه على التوبة بل هو مغلوب معها فهو ييأس من توبة نفسه.
إن السائر إلى الله يعترض به شيئان يعوقانه عن ربه، وهما: الأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، فإذا أصيب بالضراء أو فات عليه ما يحب ؛ تجده إن لم يتداركه ربه يستولي عليه القنوط، ويستبعد الفرج، ولا يسعى لأسبابه، وأما الأمن من مكر الله؛ فتجد الإنسان مقيما على المعاصي مع توافر النعم عليه من مال ومسكن ومشرب وصحة وعافية ورغد عيش، ويرى أنه على حق فيستمر في باطله فلا شك أن هذا استدراج.
والواجب على المسلم أن: يجد في التوبة ويسارع إليها فليس للعبد
مستراح إلا تحت شجرة طوبى، ولا للمحب قرار إلا يوم المزيد، فيسارع إلى التوبة، ويهب من الغفلة، وليعلم أن خير أيام يوم العودة إلى الله عز وجل فليصدق في ذلك السير وليهن حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم:"لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح" [رواه مسلم] .