الصفحة 28 من 340

لم يترك النبي - صلى الله عليه وسلم - خيرا إلا دل أمته عليه، ولا شرا إلا حذرها منه، ومن أعظم الشرك الذي حذرها منه الرياء، وهو أن يظهر العبد عبادته أو يحسنها ليراه الناس فيمدحونه عليها، وهذا شرك أصغر يبطل العمل الذي قارنه ويأثم صاحبه، لأن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، فإذا كان - صلى الله عليه وسلم - يخاف الشرك على أصحابه، الذين وحدوا الله ورغبوا إلى ما أمروا به، وهاجروا وجاهدوا وعرفوا ما دعاهم إليه نبيهم فكيف لا يخافه وما فوقه من لا يدانيهم، ومن لا نسبة له إليهم في علم وعمل، خصوصا إذا عرف أن أكثر الناس اليوم بل كثير من علماء الأمصار لا يعرفون من التوحيد إلا ما أقر به المشركون لم يعرفوا معنى الإلهية التي نفتها كلمة الإخلاص عن كل ما سوى الله، ويقولون: من قالها فهو المسلم وإن فعل ما فعل، فينبغي للإنسان أن يحذر كل الحذر، ويخاف أن يقع في الشرك الأكبر إذا كان الشرك الأصغر مخوفا على الصالحين، وقد أخبر - صلى الله عليه وسلم - أمته بوقوع الشرك، وقد عمت به البلوى في أكثر الأقطار، حتى اتخذوه دينا، مع ظهور البراهين في النهي عنه، والتخويف منه، وأفاد الحديث أن الرياء من الشرك الأصغر وأنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين.

والشرك قسمان أكبر وأصغر وبينهما فرق في الحكم والحد فالأكبر أن يسوي غير الله بالله فيما هو من خصائص الله كالمحبة والدعاء والذبح وحكمه أنه لا يغفر لصاحبه أبدا إلا بالتوبة، وأنه يحبط جميع الأعمال وأن صاحبه خالد مخلد في النار، والأصغر هو ما أتى في النصوص أنه شرك ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر، وحكمه أنه لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة لعموم قوله تعالى: { إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } وأنه يُحبط

العمل الذي قارنه ولا يوجب التخليد في النار، ولا ينقل عن الملة، ويدخل تحت الموازنة، وإن حصل معه حسنات راجحة على ذنوبه دخل الجنة وإلا دخل النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت