قريش أناس يتعبدون، ويحجون، ويعتمرون، ويتصدقون ويصلون الرحم، ويكرمون الضيف ويذكرون الله كثيرا، ويعترفون أن الله وحده هو المتفرد بالخلق والتدبير، ويخلصون لله العبادة في الشدائد، لكنهم يتخذون وسائط بينهم وبين الله؛ يدعونهم ويذبحون لهم، وينذرون لهم، ويستغيثون بهم ليشفعوا لهم ويسألون الله لهم، زعما أنهم أقرب منهم إلى الله وسيلة فبعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم عليه السلام ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله، وأن فعلهم هذا أفسد جميع ما هم عليه من العبادة، وصاروا بذلك كفارا مرتدين حلال الدم والمال، وقاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليكون الدعاء كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادة كلها لله.
وقد قسم العلماء رحمهم الله التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
الأول: توحيد الربوبية: وهو العلم والإقرار بأن الله هو الخالق الرازق المدبر لهذا الكون.
قال عز وجل: { اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } [الرعد: 16] ، وقال سبحانه: { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا } [هود: 6] ، وقال تعالى: { وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ } [يونس: 31] وقد نفى سبحانه أن يكون له شريك في الخلق والرزق قال تعالى: هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا
خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان: 11] ، وقال تعالى: أَمْ مَنْ هَذَا
الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ [الملك: 21] .
وقد فطر الله جميع الخلق على الإقرار بربوبيته حتى إن المشركين الذين جعلوا له شريكا في العبادة يقرون بتفرده بالربوبية، قال تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } [الزخرف: 9] .