الصفحة 70 من 340

قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ كأنهم تقالوا هذا العمل، واستغربوه وتعجبوا منه، كيف بلغ الذباب إلى هذه الغاية التي بسببه دخل رجل الجنة ورجل دخل النار، أو احتقروه كيف كان تقريب الذباب سببا لدخول الجنة أو النار، فاستفهموه ليبين لهم ما استغربوه، فبين لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما صير هذا الأمر الحقير عندهم عظيما، يستحق هذا عليه الجنة، ويستوجب الآخر عليه النار.

قال - صلى الله عليه وسلم:"مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئا"وإن قل تعظيمًا لصنمهم والصنم ما كان منحوتًا على صورة، وعبد من دون الله، ويطلق عليه الوثن، وكل ما عبد من دون الله يقال له صنم، بل كل ما يشغل عن الله يسمى صنمًا،"ولا يجاوزه"أي: لا يمر به ولا يتعداه حتى يقرب له شيئًا.

قالوا لأحدهما: قرب، قال: ليس عندي شيء أقرب، يعني للصنم، قالوا: قرب ولو ذبابًا فقرب ذبابًا فخلوا سبيله فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب، قال ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل.

هذا محل اختيار ومحك اعتبار، الأول: احتج بالعدم"ليس عندي شيء أقرب"يدل كلامه على أن عنده استعداد نفسي وهو وإن كان مسلما فإنه ليس ذو إيمان راسخ، فلما عرفوا موافقته بالذبح لغير الله، واعتذر، طمعوا فيه بأيسر شيء"قالوا: قرب ولو ذبابا"لأن قصدهم موافقتهم على ما هم عليه من الشرك"فقرب ذبابا فخلوا سبيله فدخل النار"بسبب قربانه الذباب للصنم لأنه قصد غير الله بقلبه، وإنقاد بعمله فوجبت له النار، ففيه بيان خطورة الشرك ولو في شيء قليل، وأنه يوجب النار لقوله: { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ } [المائدة: 72] فإذا كان هذا فيمن قرب ذبابًا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت