10 ـ بَاب يَفْعَلُ فِي العُمْرَةِ مَا يَفْعَلُ فِي الحَجِّ (1)
1664 حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا عَطَاءٌ قَال حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ يَعْنِي عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ وَهُوَ بِالجِعْرَانَةِ وَعَليْهِ جُبَّةٌ وَعَليْهِ أَثَرُ الخَلُوقِ أَوْ قَال صُفْرَةٌ فَقَال كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي فَأَنْزَل اللهُ عَلى النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَسُتِرَ بِثَوْبٍ وَوَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ وَقَدْ أُنْزِل عَليْهِ الوَحْيُ فَقَال عُمَرُ تَعَال أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلى النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ وَقَدْ أَنْزَل اللهُ عَليْهِ الوَحْيَ قُلتُ نَعَمْ فَرَفَعَ طَرَفَ الثَّوْبِ فَنَظَرْتُ إِليْهِ لهُ غَطِيطٌ وَأَحْسِبُهُ قَال كَغَطِيطِ البَكْرِ فَلمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَال أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ العُمْرَةِ اخْلعْ عَنْكَ الجُبَّةَ وَاغْسِل أَثَرَ الخَلُوقِ عَنْكَ وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ (2)
(1) انتبه لقول البخاري: ( يفعل في العمرة ما يفعل في الحج ) يفعل ولم يقل يترك ، مما يدل على أن الأصل تساوي العمرة والحج في الأحكام إلا ما قام الدليل على خروج العمرة ، فمثلًا الوقوف بعرفة في الحج وليس في العمرة ، المبيت في مزدلفة في الحج وليس في العمرة ، المبيت في منى في الحج وليس في العمرة ، الرمي في الحج وليس في العمرة ، والباقي افعل ما تفعل في الحج إلا ما قام الدليل على عدمه .
(2) الشاهد قوله: ( اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك ) لكن بعض العلماء قال: اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك يعني في تجنب المحظورات ، لكن نقول ما المانع من أن نجعله عامًا .
في هذا الحديث: أولًا شدة ما يلاقيه النبي صلى الله عليه وسلم من نزول الوحي ، وقد قال الله تعالى: { إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا } وفيه أيضًا أنه إذا نزل الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يأمر أن يُلحق بالقرآن فإنه لا يكون قرآنًا ، بل يكون إلهامًا ويعبر عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ومنها وجوب التخلي عن محظورات الإحرام فورًا لكن حسب الاستطاعة ، فمثلًا لو كان الإنسان عليه إزار ملطخ بالطيب وقيل له إن هذا حرام ، لأن من المعلوم أننا لن نقول له في الحال اخلع الإزار ، لماذا ؟ لأنه يبقى عاريًا ، لكن يجب عليه أن يبادر وأن لا يتأخر .
وفيه أنه لا يجوز لبس الإحرام المطيب خلافًا لمن قال إنه يجوز مع الكراهة إذا لبسه قبل أن يعقد الإحرام . والصواب أنه لا يجوز سواء طيبه بعد الدخول في الإحرام أو قبل الدخول في الإحرام ، وعليه لا تُطيب الإزار ولا الرداء إذا أردت الإحرام لا بدهن ولا ببخور . وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( لا تلبسوا ثوبًا مسه زعفران ولا ورس ) )فالصواب أنه لا يجوز لبس المطيب سواء كان ذلك التطييب قبل الإحرام أو بعده .
وفيه أيضًا دليل على أنه لا يجوز أن يلبس الجبة ، لأن الجبة تعتبر لباس وإن كانت قد تكون مفتوحة الوجه فإنها لباس ، ومثل ذلك المشلح لا يجوز للإنسان أن يلبسه لكن لو وضعه على أكتافه على غير لبس تلفع به كرداء فإن ذلك لا يضر لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (( لا يلبس القميص ) )ومعلوم أن النهي عن الأخص لا يقتضي النهي عن العام . هل نأخذ من هذا أن من فعل محظورًا جاهلًا فلا شيء عليه أو نقول هذا فعل المحظور قبل أن ينزل حكمه ؟ الظاهر الثاني ، يعني ما نأخذ من هذا الحديث دليلًا على أن من فعل شيئًا من المحظورات جاهلًا فلا شيء عليه ، بل نأخذ أنه متى علم الجاهل أنه على خطأ فليبادر بتصحيحه .
بحث مقدم من أحد الطلاب:
وبعد .. فهذا لفظ مختصر لما أورده البخاري في صحيحه: عن عَائِشَةُ رَضِي الله عَنْهَا قَالتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ مُوَافِينَ لهِلال ذِي الحَجَّةِ فَقَال لنا مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِل بِحَجَّةٍ فَليُهِل . وهو أن فيه إشكال عند الباحث وذهب في الكلام عليه في مسائل: الأولى: ..
الشيخ: يعني الحديث ؟
الباحث: إي نعم .
الشيخ: بس ما ذكرت الحديث، الآن ظننتك تتكلم عن القطعة هذه فقط.
الباحث: على حديث عَائِشَةُ رَضِي الله عَنْهَا قَالتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ مُوَافِينَ لهِلال ذِي الحَجَّةِ فَقَال رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِل بِعُمْرَةٍ فَليُهِل وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِل بِحَجَّةٍ فَليُهِل وَلوْلا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْللتُ بِعُمْرَةٍ فَمِنْهُمْ مَنْ أَهَل بِعُمْرَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَل بِحَجَّةٍ وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَل بِعُمْرَةٍ فَحِضْتُ قَبْل أَنْ أَدْخُل مَكَّةَ فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ .
الشيخ: يعني سقت الحديث بتمامه
الباحث: والكلام على هذا الحديث في مسائل:
المسألة الأولى: من جهة الإسناد ، وهذا الحديث رواه البخاري من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، فلا يجوز إسناد عروة بن الزبير الثقة الفقيه المشهور ، قال ابن عيينة: كان أعلم الناس بحديث عائشة عروة وعمرة والقاسم .
الشيخ: مع أنه الأصح أن يقول أحفظ يعني كان هؤلاء كان عروة و أعلم .
الباحث: وأما الكلام على هشام بن عروة فقال الذهبي في السير الرجل حجة مطلقة ولا عبرة لما قاله الحافظ ابن حسن بن قطان من أنه سهيل بن أبي صالح اختلط أو تغير ، فإن الحافظ قد يتغير حفظه إذا كبر وتنقص حدة ذهنه ، فليس هو في شيخوخته كهو في شبابه . وما ثم أحد معصوم من السهو والنسيان ، وما هذا التغير بضار أصلًا وإنما الذي يضر الاختلاط وهشام لم يختلط قط ، هذا أمر مقطوع به ، وحديثه محتج به في الموطأ والصحاح والسنن .
وقال ابن بطال إنه اختلط قول مردود مردود فارني إمام من الكبار سلم من والوهم ، فهذا شعبة وهو في الذروة له أوهام وكذلك معمر والأوزاعي رحمة الله عليهم . وقال في الميزان: ولما قدم العراق في آخر عمره في غضون ذلك أحاديث لم يدونها .ا.هـ.
المسألة الثانية: ذكر من أعل هذا الحديث ـ أعني حديث هشام بن عروة ـ هذا الحديث ضعفه ابن حزم وقال: إنه منكر ، وذكر ابن القيم أن بعضهم أعله مستدلين أن حماد بن زيد رواه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة روى حديث الحيض في الحج فقال حدثني غير واحد ، فهذا يدل على أن عروة لم يسمع من عائشة زيادة دعي عمرتك .
قال ابن القيم في زاد المعاد: وأما قوله في رواية حماد ( حدثني غير واحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها دعي عمرتك ) فهذا إنما يحتاج إلى تعليله ورده إذا خالف الروايات الثابتة عنها ، وأما إذا وافقها وصدقها وشهد لها أنه أحرم بعمرة فهذا يدل على أنه محفوظ وأن الذي حدث به ضبطه وحفظه ، قال: مع أن حماد بن زيد انفرد بهذه الرواية المعللة وهي قوله: فحدثني غير واحد ، وخالفه جماعة فروه متصلًا عن عروة عن عائشة . انتهى كلامه . قلت: لجاء التصريح بالتحديث على صحيح البخاري .
المسألة الثالثة: ما جاء في حديث عائشة في قولها: ( خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ مُوَافِينَ لهِلال ذِي الحَجَّةِ ) فهذا ظاهره المعارضة مع ما رواه البخاري عن عائشة قولها: ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة ) قال ابن حجر في الفتح: قولها: ( خرجنا موافين لهلال ذي الحجة ) أي قرب طلوعه ، وتقدم أنها قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة وأقمت قريبة من آخر الشهر . فوافاهم الهلال وهم في الطريق لأنهم دخلوا مكة في الرابع من ذي الحجة .
المسألة الرابعة: قوله صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِل بِعُمْرَةٍ فَليُهِل وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِل بِحَجَّةٍ فَليُهِل وَلوْلا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْللتُ بِعُمْرَةٍ ) )متى قاله النبي صلى الله عليه وسلم هل كان بسرف أو بعد فراغه من العمرة ؟ قال ابن القيم في زاد المعاد: فلما كان بسرف قال لأصحابه من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ، ومن كان معه هدي فلا . وهذه نقطة أخرى فوق نقطة التخيير عند الميقات ، فلما كان بمكة أمر أمرًا حتمًا من لا هدي معه أن يجعلها عمرة ويحل من إحرامه ، ومن معه هدي أن يقيم على إحرامه .ا.هـ.
قلت: وقد جاء التصريح أنه كان بسرف كما جاء في البخاري من طريق أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة: فنزلنا بسرف وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه الهدي فلا ) ).
المسألة الخامسة: قولها في الحديث في حجة الوداع: ( فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ ) هل هذا يخالف أنها حاضت بسرف ويدل على أن الحيض أتاها في عرفة ؟ الجواب: لا ، وهذا الرواية فيها اختصار وهي رواية أبي معاوية الضرير . وروايته عن هشام قال عنها الإمام أحمد فيها اختلاط ، لكن جاء في رواية يحي القطان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ما يزيل هذا الاحتمال ، وهو في البخاري ، وهو قولها: ( فحضت قبل أن أدخل مكة فأدركني يوم عرفة وأنا حائض ) ورواية يحيى مقدمة على رواية أبي معاوية ، على أن رواية أبي معاوية لا تدل على ما ذكروه فغاية ما تدل عليه أنها كانت يوم عرفة حائض دون أن يدل ذلك على ابتداء زمن الحيض .
الشيخ: المشكلة هذه أن الظاهر أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي تبكي في عرفة والمعروف إنها بسرف .
المسألة السادسة: أورد البخاري هذا الحديث في كتاب الحيض وبوب له باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض ، وباب غسل المرأة شعرها عند غسل المحيض ، فهل هذا يدل على أن البخاري يرى أن طهرها كان يوم عرفة ؟ قال الحافظ ابن رجب في فتح الباري على صحيح البخاري: وهذا الحديث لا دلالة فيه على واحد من الأمرين ، فإن غسل عائشة التي أمرها النبي صلى الله عليه وسلم به لم يكن من الحيض بل كانت حائضًا وحيضها يومئذٍ موجود فإنها لو كان انقطع حيضها لطافت للعمرة ولم تحتج إلى هذا السؤال ولكن أمرها أن تغتسل في حال حيضها وتُهل بالحيض ، فهو غسل للإحرام في حال الحيض .
وقد ذكر ابن ماجه في كتابه ( باب الحائض كيف تغتسل ) ثم قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعائشة بنت محمد حدثنا وكيع وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها وكانت حائضًا: انقضي شعرك واغتسلي . قال علي في حديثه: ( انقضي رأسك ) وهذا أيضًا يوهم أنه قال لها هذا في غسلها من الحيض وهذا مختصر من حديث عائشة الذي خرجه البخاري ، وقد ذُكر هذا الحديث المختصر للإمام أحمد عن وكيع فأنكره ، قيل للإمام: كأنه اختصره من حديث الحج . فقال: أيحل له أن يختصر ؟ نقله عنه المغولي ، ونقله عنه إسحق في مسائله أنه قال: هذا باطل .
قال ابن رجب: وقد يُحمل مراد البخاري رحمه الله على وجه صحيح وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر عائشة بنقض شعرها وامتشاطها عند الغسل للإحرام لأن الغسل للإحرام لا يتكرر فلا يشق نقض الشعر فيه ، وغُسل الحيض والنفاس يوجد فيه هذا المعنى بخلاف غسل الجنابة فإنه يتكرر فيشق النقض فيه ، فلذلك لم يؤمر فيه بنقض الشعر . انتهى كلامه .
المسألة السابعة: قال ابن رجب وقد تكلم بعض العلماء في لفظة ...
الشيخ: بقي كثير ؟ نكمل البحث إن شاء الله في الدرس القادم .