فهرس الكتاب
بِالرَّحِيل فِي أَصْحَابِهِ فَارْتَحَل النَّاسُ فَمَرَّ مُتَوَجِّهًا إِلى المَدِينَةِ . ضَيْرِ مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا وَيُقَالُ ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا (1)
(1) شوف الآثار التي في الترجمة .
تعليق من فتح الباري ج: 3 ص: 419:
قوله: ( باب قول الله تعالى الحج أشهر معلومات إلى قوله في الحج وقوله يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ) قال العلماء: تقدير قوله: { الحج أشهر معلومات } أي الحج حج أشهر معلومات أو أشهر الحج أو وقت الحج أشهر معلومات فحُذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه . وقال الواحدي: يمكن حمله على غير إضمار وهي أن الأشهر جُعلت نفس الحج اتساعا لكون الحج يقع فيها كقولهم ليل نائم . وقال الشيخ أبو إسحاق في المهذب: المراد وقت إحرام الحج لأن الحج لا يحتاج إلى أشهر فدل على أن المراد وقت الإحرام به . وأجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج ثلاثة أولها شوال ولكن اختلفوا هل هي ثلاثة بكاملها ، وهو قول مالك ونقل عن الإملاء للشافعي أو شهران وبعض الثالث وهو قول الباقين ثم اختلفوا فقال ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وآخرون عشر ليال من ذي الحجة .
وهل يدخل يوم النحر أو لا ؟ قال أبو حنيفة وأحمد نعم ، وقال الشافعي في المشهور المصحح عنه لا وقال بعض أتباعه تسع من ذي الحجة ولا يصح في يوم النحر ولا في ليلته وهو شاذ ، واختلف العلماء أيضا في اعتبار هذه الأشهر هل هو على الشرط أو الاستحباب ؟ فقال ابن عمر وابن عباس وجابر وغيرهم من الصحابة والتابعين هو شرط فلا يصح الإحرام بالحج إلا فيها وهو قول الشافعي ، وسيأتي استدلال ابن عباس لذلك في هذا الباب ، واستدل بعضهم بالقياس على الوقوف وبالقياس على إحرام الصلاة وليس بواضح ؛ لأن الصحيح عند الشافعية أن من أحرم بالحج في غير أشهره انقلب عمرة تجزئه عن عمرة الفرض وأما الصلاة فلو أحرم قبل الوقت انقلب نفلا بشرط أن يكون ظانًا دخول الوقت لا عالما فاختلفا من وجهين .
قوله: ( وقال بن عمر رضي الله عنهما أشهر الحج ... إلخ ) وصله الطبري والدارقطني من طريق ورقاء عن عبد الله بن دينار عنه قال: (الحج أشهر معلومات شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة ) وروى البيهقي من طريق عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مثله والإسنادان صحيحان ، وأما ما رواه مالك في الموطأ عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: ( من اعتمر في أشهر الحج شوال أو ذي القعدة أو ذي الحجة قبل الحج فقد استمتع ) فلعله تجوز في إطلاق ذي الحجة جمعًا بين الروايتين والله أعلم .
ش4 ـ وجه ب:
قوله: ( وقال ابن عباس وصله ابن خزيمة والحاكم والدارقطني من طريق الحاكم عن مقسم عنه قال لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج ) ورواه بن جرير من وجه آخر عن ابن عباس قال: ( لا يصلح أن يحرم أحد بالحج إلا في أشهر الحج ) قوله: ( وكره عثمان رضي الله عنه أن يحرم من خراسان أو كرمان ) وصله سعيد بن منصور: ( حدثنا هشيم حدثنا يونس بن عبيد أخبرنا الحسن هو البصري أن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان فلما قدم على عثمان لامه فيما صنع وكرهه ) وقال عبد الرزاق: ( أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال أحرم عبد الله بن عامر من خراسان فقدم على عثمان فلامه وقال غزوت وهان عليك نسكك ) وروى أحمد بن سيار في تاريخ مرو من طريق داود بن أبي هند قال: ( لما فتح عبد الله بن عامر خراسان قال لأجعلن شكري لله أن أخرج من موضعي هذا محرما فأحرم من نيسابور فلما قدم على عثمان لامه على ما صنع ) وهذه أسانيد يقوي بعضها بعضا وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه من طريق محمد بن إسحاق أن ذلك كان في السنة التي قُتل فيها عثمان . ومناسبة هذا الأثر للذي قبله أن بين خراسان ومكة أكثر أشهر الحج فيستلزم أن يكون أحرم أشهر الحج فكره ذلك عثمان ، وإلا فظاهره يتعلق بكراهة الإحرام قبل الميقات فيكون من متعلق الميقات المكاني لا الزماني .
ثم أورد المصنف في الباب حديث عائشة في قصة عمرتها وسيأتي الكلام عليه مستوفى في الباب الذي بعده .
الشيخ: أقرب ما يقال قول مالك رحمه الله أنها ثلاثة أشهر وليس المعنى أنه يمكن أن يؤتى الحج بعد عرفة ، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( الحج عرفة ) )لكن المراد أنه يجوز أن يؤخر أفعال النسك التي لم تُقيد بوقت معين إلى آخر الشهر ، فمثلًا الطواف طواف الإفاضة ليس مخصوصًا بوقت معين فلك أن تؤخره إلى آخر الشهر ولا يجب أن تؤخره إلى ما بعده إلا بعذر كامرأة نفساء مثلًا لا تستطيع أن تطوف . كذلك السعي لك أن تؤخره إلى آخر الشهر شهر ذي الحجة ، كذلك الحلق لك أن تؤخره إلى آخر ذي الحجة ، وأما الرمي والمبيت فهو مُقيد بزمن معين فيختص به .
ولا يستقيم القول بأنه إلى العاشر من ذي الحجة لأنه مشكل ؛ لأن بعد عاشر ذي الحجة تقع أعمال من الحج من أعمال النسك كالرمي والمبيت ولا يصح الإحرام بالحج من بعد عرفة على كل الأقوال، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( الحج عرفة ) ).
وقوله: (ضَيْرِ مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا وَيُقَالُ ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا ) هذا يشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (( فلا يضير ) )، وفي هذا الحديث حسن خُلق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع أهله وتسلية الإنسان بما يكون مع غيره لأن الإنسان يتسلى إذا وقع الضر عليه وعلى غيره ، وإلى هذا يشير قوله تبارك وتعالى: { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون } مع أنه في الدنيا ينفع يهون عليه الأمر . وأيضًا المعذب في النار ـ آجارنا الله وإياكم منها ـ يرى أنه لا أحد أشد من تعذيبه ، ولو رأى أن أحدًا أشد من تعذيبه لهان عليه الأمر .
سؤال: ما هو الصواب في أن من أهل بالحج قبل أشهر الحج ؟
الجواب: أحرم، يعني أحرم بالحج ؟ الأقرب قول الشافعي رحمه الله أنه لا يصح الإحرام بالحج قبل اشهر الحج وأنه لو فعل انقلب عمرة .
سؤال: قول عائشة رضي الله عنها لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم ( ما يبكيك ) لم تقل له أنا حائض ؟
الجواب: على كل حال الرواية اختلفوا فيها ، لكن إذا ذكر الإنسان شيئًا من لوازم شيء آخر اكتفى به ، وما زال الناس حتى إلى اليوم هذا تُسأل المرأة مثلًا لماذا ما صمتي ؟ تقول لا أُصلي ، فيُعرف . فإذا ذكر الإنسان الشيء الذي من لوازم غيره اكتفى به .
سؤال: هذا رجل ـ أثابك الله يا شيخ ـ أحرم بالعمرة لوالده ثم عندما قربت أيام الحج أحرم بالحج لنفسه على أن يكون مفردًا في حجه ؟
الجواب: أدخل حج نفسه على حج أبيه ؟
السائل: الأولى عمرة لوالده لكن في أشهر الحج ، ثم أحرم بالحج ونوى الإفراد ؟
الجواب: إذا أحرم الإنسان بالعمرة في أشهر الحج عن شخص ثم أحرم في نفس السنة لنفسه بالحج فهو متمتع ، ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله: ولا يُعتبر في التمتع وقوع النسكين عن واحد ، فلو اعتمر عن شخص وحج عن آخر فهو متمتع . انتبه لذلك لأن العبرة لتمتعه بين العمرة والحج سواء كان النسكان لنفسه أو لآخر أو أحدهما لنفسه والثاني لآخر .