حيث يتكلف في هذا الصرف، وحيث يكون المعنى المصروف إليه بعيدا عن السياق وعن المفهوم المتبادر للسامعين، فإن المخاطبين به عند نزوله لم يحرفوا معانيه، ولم يفهموا منه شيئا من خصائص المخلوق، بل أثبتوا كل الصفات الواردة واعتقدوها لائقة بالموصوف؛ فلما جاء من بعدهم وفشت فيهم المذاهب الكلامية توسعوا في البحث، فاعتقدوا أن ظاهر النصوص يقتضي التجسيم والتشبيه، فسلطوا عليها أنواع التأويل كأضراب هذا الكاتب هداهم الله.
« لا يلزم من إثبات الصّفات القول بأنه جسم محدود » :
رابعًا: لا يلزم من إثبات الصّفات القول بأنه جسم محدود.فأما قوله:
[ فمن كان هذا شأنه لا بداية ولا نهاية، كيف تعتقد أنه جسم محدود مؤلف من أعضاء، يتحرك، وينتقل من مكان إلى مكان آخر، ويترك وراءه فراغًا ؟ ]
هذا عليه فيه ملاحظات:
منها قوله: [ لا بداية ولا نهاية ] : قال ذلك بعد الآية الكريمة ? هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ ? [ سورة الحديد، الآية 3 ] وهو تفسير مبتدَع، فإن هذه الأسماء قد بيَّن معانيها النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ووضحها بقوله في دعاء الاستفتاح: « أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء » (1) .
ومنها قوله: [ كيف نعتقد أنه جسم محدود ] :
والجواب: إنه لا يلزم من إثبات الصفات على ما يليق بها القول: بأنه جسم محدود، ثم قد سبق الرد على قوله: جسم محدود مؤلف من أعضاء، وبيَّنا أن هذه ألفاظ بدعية، لا يجوز الخوض فيها إثباتا ولا نفيا.. إلخ.
ومنها قوله: [ يتحرك وينتقل من مكان … إلخ ] :
(1) رواه مسلم برقم (2713) في الذكر، با ما يقول عند النوم وأخذ المضجع. عن أبي هريرة رضي الله عنه.