والجواب أن يقال: وردت أحاديث كثيرة صحيحة عن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في أن الله تعالى ينزل كل ليلة، وذكرت بلفظ النزول وبلفظ الهبوط، والذين نقلوها هم نقلة أحكام الشريعة، ولم ينكرها أحد من السلف، ولم يقولوا: إن المراد نزول فضله أو منِّه أو قبوله التوبة... إلخ. كما أنهم لم يكيفوا ذلك ولم يشبِّهوه بنزول الأجسام، واعتبروه مثل المجيء والإتيان الذي أثبته الله لنفسه، ولم يلزم من إثباته ما هو مستحيل، بل الجميع نصّ على حقيقته، وهو من خصائص المتصف به لأنه تعالى: ? لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ? [ سورة الشّورى، الآية: 11 ] في ذاته ولا في صفاته.
المثال الثالث: صرف اللفظ عن ظاهره:
ثم ذكر مثالا ثالثا لصرف اللفظ عن ظاهره، فقال في السطر العاشر في الصفحة الثانية:
[ وهذا كحديث: « الحجر الأسود يمين الله في الأرض » (1) . لما كانت اليد هي موضع التقبيل والتبجيل، والاعتراف بالفضل والجميل، كان الحجر بمنزلة اليد لا عينها ] .
فنقول: أولا: إن هذا لم يثبت حديثا مرفوعا، وإنما هو من قول ابن عباس في الحكمة من استلامه الحجر وتقبيله.
ثانيا: إن ابن عباس قد بيّن في تمام كلامه ما يبعد الوهم، فقال: فمن صافحه أو قبّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه. فقد بيّن أن الحجر ليس هو عين يمين الله تعالى فإن المشبه غير المشبه به، فقد بيّن أن مستلمه ليس مصافحا لله، وأنه ليس هو عين يمين الله، فليس في هذا إيهام، ولا يحتاج إلى تأويل، حيث إن السياق لا يدل على التشبيه.
ذكر الكاتب أمثلة أخرى على تأويل بعض الآيات:
ثم ذكر جملة من الآيات وصرفها عن ظاهرها متبعا في ذلك تأويلات الجهمية وأتباعهم:
(1) حديث منكر، وسنده لابن عباس ضعيف، انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة - رقم (223) للعلامة المحدث الألباني.