الصفحة 147 من 163

فهم في الحقيقة يحملون الكلام ما لا يحتمله، ويحملون الجملة على محمل بعيد جدا، ويتكلفون في الطعن على تلك الجملة، ولو كانت بعيدة عما يقصدونه، وقد ثبت عن بعض السلف أنه قال: لا تظن بكلمة خرجت من أخيك شرا، وأنت تجد لها في الخير محملا.

فإذا كانت تلك الجملة محتملة لعشرة احتمالات منها احتمال واحد حق، وباقي الاحتمالات خاطئة، حملناها على الاحتمال الذي هو حق، وتركنا الباقي لإحساننا الظن بقائلها، ولمعرفتنا بأنه لا يقصد إلا نصح الأمة، والتحذير من الأضرار التي تفتك بالأمة، والتي إذا تمكن أهلها أضروا بالعالم الإسلامي عامة، فنقول لهؤلاء: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين؟ نحن معكم على أن تأتوا بالكتاب كله ونبين لكم خطأكم وبُعد إدراككم. وكذلك هاتوا الأخطاء التي تزعمون كلها، ونبين لكم ما قبل كلامكم هذا وما بعده، وأنكم فهمتم خطأ.

ثم أنتم أيضا تخطئون خطأ آخر وهو كونكم تكتمون الحق، وتكتمون المحاسن، وتكتمون الحقائق، ولا تنشرون حسنة من الحسنات، وتقتصرون على المساوئ التي تظنون أنها مساوئ وهي بعيدة عما ظننتم.

وكذلك أيضا الواجب على العاقل المنصف أن يذكر الحسن والسيئ، فيذكر هذا إلى جانب هذا، حتى لو قدر أن هذا سيئ، وأنه كما يقول: إنه أخطأ وبعد عن الصواب، فعليه أن يذكر الأمرين جميعا، فيقول: هذه محاسنه، وهذه مساوئه، فيبين ما له وما عليه.

فأهل الإنصاف وأهل السنة يذكرون ما لهم وما عليهم، وأما أهل الضلال وأهل الباطل، فإنهم يقتصرون على ما لهم ويذكرونه ويوضحونه ويبينونه ويشرحونه، وأما الذي عليهم فإنهم يكتمونه: كمثل اليهود الذين عابهم الله بقوله -تعالى-: { وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت