فهرس الكتاب
ونوصيه (تاسعا) بحفظ الوقت واستغلاله فيما يعود عليه بالفائدة، واستغلاله في التزود من العلم والعمل، فإن العلم كثير، والعمر قصير، ومما يذكر عن الشافعي -رحمه الله- أنه قال في وصف العلم وطلبة العلم: « العلم بطيء اللزام، بعيد المرام، لا يدرك بالسهام، ولا يرى في المنام، ولا يورث عن الأباء والأعمام، إنما هو شجرة لا تصلح إلا بالغرس، ولا تغرس إلا في النفس، ولا تسقى إلا بالدرس، ولا محصل إلا لمن أنفق العينين، وجثا على الركبتين، ولا يحصل إلا بالاستناد إلى الحجر، وافتراش المدر، وقلة النوم، وصلة الليل باليوم، انظر إلى من شغل نهاره بالجمع، وليله بالجماع، أيخرج من ذلك فقيها؟، كلا والله حتى يعتضد الدفاتر، ويستحصل المحابر، ويقطع القفار، ولا يفصل في الطلب بين الليل والنهار » . اهـ. ومما روي عنه أنه قال: « حق على طلبة العلم بلوغ غايته جهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله -تعالى- في إدراك علمه نصا واستنباطا، والرغبة إلى الله -تعالى- في العون عليه » . اهـ.
ثم نقول: ليس له أن يجهد نفسه ويتعبها مخافة الملل والضحر، فقد روى ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: « كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا » ؛ فله أن يريح نفسه وقت الأكل، والشرب والنوم، والاستراحة بعد التعب، وعليه أن يقوم بما عليه من حق زوجة أو ولد، أو زائر، أو سعي في طلب معاش، ويجعل بقية وقته في التعلم والعمل، فإنه لا ينال العلم براحة الجسم.