يا معشر الأنصار ما قالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها عليّ في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل، ثم قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل، قال: أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم، أتيتنا مكذبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك تألفت بها قومًا ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ولو سلك الناس شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار).
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسمًا وحظًا، ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتفرقوا [1] .
ولما دخل أبو الدرداء الشام قال: يا أهل الشام اسمعوا قول أخ ناصح فاجتمعوا إليه فقال: ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لاتأكلون وتؤملون ما لاتدركون، إن الذين كانوا من قبلكم بنوا مشيدًا وأملوا بعيدًا وجمعوا عتيدًا فأصبح أملهم غرورًا ومساكنهم قبورًا.
أخي المسلم لن ينفعك إلا عملك الصالح وما قدمته يداك من خير في الدنيا فيوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من سلم قلبه، واعلم أنك لن تجد من يدافع عنك في قبرك، والسفر يا أخي طويل فتزود له، والله عز وجل الجبار المتكبر هو القاضي فاعمل ما ينفعك ويخلصك من المنكر والنكير وأنت بصير على نفسك.
شعر:
وأنزلوني في قبري على مهل ... *** ... وأنزلوا واحدًا منهم يلحدني
وكشف الثوب عن وجهي لينظرني ... *** ... وأسبل الدمع من عينيه أغرقني
فقام محتزمًا بالعزم مشتملًا ... *** ... وصفف اللبن من فوقي وفارقني
(1) سيرة ابن هشام (2/499، 500) .