الصفحة 159 من 173

ولن يكون الابتلاء شرًا بالمؤمنين أبدًا، فهو خير يسوقه الله لعباده ليعودوا إليه وقد علتهم عزة الإيمان التي يمتلكونها ولو كانت السياط اللاهية تأكل من أجسادهم لأن طالب الحق لن يسلمه أهل الباطل، وأمام المؤمنين أقسى دروس الابتلاء وأشدو امتحان شهدته الدعوة الإسلامية على مدى تاريخها الطويل ألا وهو حادث الإفك ومع ذلك فقد كانت خيرًا ولم تكن شرًا، ويقول الله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ] [1] ؛ لذا كان الابتلاء وسيلة من وسائل الانتقاء والتصفية، يقول الله تعالى: [لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ] [2] .

وإن حكم الابتلاء استخراج عبودية المؤمنين وذلهم لله وانكسارهم له سبحانه وتعالى وافتقارهم إليه، وأن يسألوه سبحانه النصر على عدوهم ولو كانوا دائمًا منصورين قاهرين غالبين لبطروا وأشروا، ولو كانوا دائمًا مقهورين مغلوبين منصورًا عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة ولا كانت للحق دولة، فاقتضت تضرعوا إلى ربهم، وأنابوا إليه وخضعوا له، وانكسروا له وتابوا إليه، وإذا غلبوا أقاموا دينه وشعائره وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وجاهدوا عدوه، ونصروا أولياءه.

(1) سورة النور الآية 11.

(2) سورة الأنفال الآية 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت