كان النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الأعلى في مكة وقد كان مستضعفًا محاربًا، وكان - صلى الله عليه وسلم - الأعز في مكة وقد كان مطاردًا مرصودًا، وصدق الله تعالى: [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] [1] .
نقول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في تلك المكانة مع أنه المحارب المستضعف لأن الإيمان هو المرتبة الأعلى، والشرك والنفاق هما المرتبة الأدنى، والمؤمن من أكثر الناس بلاءً ولكنه أعظمهم قدرًا.
والمؤمن أكثر الناس محاربة ولكنه أملكهم لحريته، وحرية المؤمن في كونه غير أسير لشهواته، ولا مستضعف لنزواته، فهو عبد الله سبحانه وتعالى وحده، وأما غير المؤمنين فهم عباد توزعت قلوبهم بين آلهة شتى.
ولذلك فإن ما ينتاب المؤمن ويحل عليه من مصائب لا ينزع منه العلو والعزة ما دام مؤمنًا وما المصائب والفتن إلا اختبارات تبين مدى ما يمتلك العبد من الإيمان، وقد اقتضت حكمة الله في خلقه أن يعرضهم للاختبار حبًّا ورعاية لهم، فالعباد ليسوا بعيدين عن هذه الاختبارات الإلهية التي تهدي الضال وتنبه الغافل وتقيم الحجة على الكافر، يقول الله تعالى: [الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ] [2] .
فالاختبارات الإلهية للمؤمنين تزيدهم إيمانًا وقوة وصلابة في عقيدتهم، وللكاذبين تعيدهم إلى الإيمان تائبين متذكرين نادمين، فإن لم يتوبوا ويتذكروا فضحهم الابتلاء وعراهم امام الناس وخلص صفوف المؤمنين منهم.
إن من أهم فوائد حكمة الابتلاء أنه بمثابة فرصة لمراجعة حسابات مضت، ووقفة أمام مستقبل آت يؤمل فيه الخير والسعادة، والابتلاء يزيد الرجال نضوجًا وصلابة، والدعاة الصادقين بصفة خاصة ثباتًا ويقينًا.
(1) سورة المنافقون من الآية 8.
(2) سورة الملك الآية 2.