الصفحة 161 من 173

الله سبحانه وتعالى عليم بما هو كائن وبما كان وبما سيكون حتى ما سيفعله الناس مختارين بدون جبر، والإنسان المدرك البالغ مكلف من ربه ضمن دائرة اختباره، التي منحها الله سبحانه وتعالى له، أن يعمل أعمالًا ويترك أخرى، وجعله الله مسؤولًا مسؤولية تامة عن أعمال ضمن دائرة اختياره، ورتب له الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية [1] .

ومما أمر الله به اتخاذ الأسباب لتحقيق مطالبه وحاجاته من الحياة الدنيا ولتحقيق ما يرجو من الثواب العظيم يوم الجزاء الأكبر، ومما نهاه الله عنه التهور، والإسراف المضر، وتناول كل ما يضره في الحياة الدنيا، وكل ما فيه شر يجلب له المؤاخذة والعقاب يوم الدين ومن اتخذ من الناس سببًا حقق الله نتائجه بقضائه وقدره خيرًا كان أو شرًا، إلا أن يكون الله حكمة خاصة في خرق سنته في حادثة من الحوادث، فمن ذبح نفسه، أو جأ نفسه بحديدة أو تحسى سُمًا قتله الله حسب سنن الله الثابتة التي نظم بها الأسباب والمسببات، ومن زرع زرعًا وتعهده أنبت الله زرعه وأعطاه ثمراته، ولو كان كافرًا بربه.

وإن مالم يمنح الله لمخلوقاته فيه أسبابًا، فإنه يخضع لسلطان القضاء والقدر مباشرة، دون أن تتخذ هذه المخلوقات المريدة له أسبابًا، والناس يدركون من هذه الحقائق السابقة شيئًا وينحرف إدراكهم عن الجزء الأكبر منها.

ويرتكب كثير من الناس الكبائر والمعاصي بإرادتهم الحرة ويعرضون أنفسهم بذلك لعقاب الله عز وجل وعذابه في الدنيا والآخرة، ثم يعتذرون قائلين بأن ذلك قضاء وقدر جبري قضاه الله عليهم وقدره، بل إن بعض الأنفس تتجرأ على الله سبحانه وتعالى بقولها: إن الله هو الذي أراد لهم طريق المعصية ولم يهدهم أو ييسر لهم الهدى وهم كاذبون فيما قالوا عن الله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

(1) بصائر للمسلم المعاصر، عبد الرحمن حبنكه الميداني، ص69، بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت