الصفحة 40 من 173

والمؤمن يحبس نفسه على البلاء إذا نزل بها فلا يتركها تجزع ولا تسخط، وقد قال الحكماء: الجزع على الفائت آفة، وعلى المتوقع سخافة. وهو يستعين في ذلك بذكر الله، تعالى، والجزاء الحسن على الطاعات وما أعد لأهلها من جزيل المثوبات والأجر وذكر وعيده تعالى لأهل معصيته من أليم العذاب وشديد العقاب، ويتذكر أن أقدار الله جارية وأن قضاءه تعالى عدل وأن حكمه نافذ صبر العبد أم جزع،غير أنه مع الصبر الأجر ومع الجزع الوزر.

والمسلم عندما يتحلى بهذا الخلق فهو يقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - الذي صبر وصابر على أذى قومه في سبيل تبليغ دعوة الله عز وجل حتى إنهم وضعوا سلى الجزور على رأسه الشريفة ووضعوا على رأسه التراب وهو راكع، وضغط عقبة بن أبي معيط على عنق النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ساجد حتى قال الرسول: ظننت أني قد قبضت، وأخرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من بلده مكة وضيق الخناق على دعوته وأتباعه فذهب إلى الطائف عله يجد من يؤمن برسالته لكن سفهاء الطائف وصبيانها قذفوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالحجارة بتسليط من كبرائهم حتى سال الدم من عقبه الطاهر، ومع ذلك كله صبر وكان يصبّر أصحابه فيقول لبعضهم: (صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة) [1] .

ومع هذا الصبر العظيم تتمثل الأخلاق العالية الحميدة في قولته - صلى الله عليه وسلم - التي رواها عنه ابن مسعود رضي الله عنه قائلًا: كأني أنظر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه يقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)

(1) رواه البخاري (8/56) ، كتاب الإكراه، باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت