وتصدٍ لمسؤولية تخلى عنها الآخرون. ولا إشكال أن يرى الجهادي نفسه سابقا وفائزا بجائزة سنام الإسلام وكل صفات الثناء على المجاهدين في الكتاب والسنة. لكن الإشكال هو في أن يؤثر هذا الشعور في صياغة المواقف الفكرية والشرعية فيتسبب بنتائج ضارة بالجهاد نفسه.
النتيجة الأولى هي رفض ما يقوله غير الجهاديين -حتى لو كان حقا- بحجة أن قائله من القاعدين الذين تخلوا عن الجهاد وتخلوا عن دعم أهله، فلم يوهبوا التوفيق في الفهم والفتيا التي وفق لها أهل الثغور. ورفض المواقف والفتاوى والأفكار بحجة أنها صدرت عن القاعدين مخالفة صريحة لمنهج النبوة في قبول الحق أيا كان قائله، حتى لو كان كافرا بل حتى لو كان الشيطان نفسه. (6)
النتيجة الثانية هي تحول الثقة بالمواقف والآراء إلى غرور فكري يدفع بعض الجهاديين إلى حالة قريبة من العصمة، بسبب اعتقادهم أن أهل الثغور يلهمون التوفيق في مسائل الخلاف، فيتخذون مواقفهم بثقة في غير سياقها وطمأنينة في غير محلها. (7)
وإذا كان كثير من خصوم الجهاد يستفزون التيارات الجهادية بفتاوى وبيانات لا يمكن تأصيلها شرعا ولا قبولها منطقا، فهذا لا يعطي الجهاديين حق صياغة الشرع بدوافع العداوة لهؤلاء أو بالهواجس والإسقاطات النفسية. والعكس صحيح، فتجاوز بعض الجهاديين في المواقف لا يعني تصحيح مواقف خصومهم من الذين يسوقون الفتاوى والمواقف بلا مبالاة بالمنهجية الشرعية. (8)
ومن عاشوا في جو الجهاد يعترفون بثقل تأثير هذا الجو الذي يدفع لثقة عارمة بالنفس واستعداد دائم للاستهانة بـ"القاعدين"أو تخطئتهم. ومع ذلك يعصم الله كثيرا من الجهاديين من الزلل، بتشبثهم بالحذر الشرعي، وكبحهم نزعة الغرور، ومنعها من تجاوز حدود الانضباط المنهجي. والجماعة التي يكثر بين قيادييها القدرة على كبح الغرور الفكري عادة تكون أكثر رشدا والتزاما بالمنهجية الشرعية السنية ممن أصيب بهذا الغرور.
هذا الغرور الفكري هو الذي يفسر استرخاء كثير من الجهاديين، وهم يتحدثون في