فهرس الكتاب
الجهاد رهبانية الإسلام
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ فَقَالَ أَوْصِنِي فَقَالَ سَأَلْتَ عَمَّا سَأَلْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَبْلِكَ:
(( أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الإِسْلامِ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَتِلاوَةِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ رَوْحُكَ فِي السَّمَاءِ وَذِكْرُكَ فِي الأَرْضِ ) ) [1]
قال المناوي: (وعليك بالجهاد) أي الزمه
(فإنه رهبانية الإسلام) أي أن الرهبان وإن تخلوا عن الدنيا وزهدوا فيها فلا تخلي ولا زهد أفضل من بذل النفس في سبيل اللّه فكما أن الرهبانية أفضل عمل أولئك فالجهاد أفضل عملنا والرهبانية ما يتكلفه النصارى من أنواع المجاهدات والتبتل. ا. هـ [2]
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لِكُلِّ نَبِيٍّ رَهْبَانِيَّةٌ، وَرَهْبَانِيَّةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) ) [3]
يريد أن الرُّهْبان وإن تركوا الدنيا وزَهدوا فيها وتخلَّوا عنْها فلا تَرْك ولا زُهْد ولا تَخَلّى أكثر من بَذْل النفْس في سبيل اللّه وكما أنه ليس عند النّصَارى عملٌ أفضلُ من التَّرهُّب ففي الإسلام لا عَملَ أفضلُ من الجهاَدِ ولهذا قال (ذِرْوة سَنام الإسلام الجهاَدُ في سبيل اللّه. [4]
الجهاد سياحة هذه الأمة
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه:
(( أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي السِّيَاحَةِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ) ) [5]
المقصود من السياحة: مِنْ سَاحَ فِي الأَرْض يَسِيح إِذَا ذَهَبَ فِيهَا , وَالْمُرَاد مُفَارَقَة الأَمْصَار وَسُكْنَى الْبَرَارِي وَتَرْك الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَات.
قال المناوي: إن سياحة أمتي: ليست هي مفارقة الوطن وهجر المألوفات وترك اللذة والجمعة والجماعات والذهاب في الأرض والانقطاع عن النساء وترك النكاح للتخلي للعبادة بل هي الجهاد في سبيل اللّه: أي قتال الكفار بقصد إعلاء كلمة الجبار وهذا وقع جوابًا لسائل شجاع باسل استأذن في السياحة في زمن تعين فيه الجهاد أما السياحة لغير من ذكر في غير ما زبر في الفلوات والانسلاخ عن رعونات النفس وتجرع فرقة الوطن والأهل والغربة لمن يصير على ذلك محتسبًا قاطعًا من قبله العلائق الشاغلة من غير تضييع من يعوله ففضلها لا ينكر فتدبره [6]
قال ابن رجب: فأما سكنى البوادي على وجه العبادة وطلب السياحة والعزلة فمنهي عنه، كما في الترمذي وصحيح الحاكم عن أبي هريرة قال: مر رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعب فيه عيينه من ماء عذب فأعجبه طيبه وحسنه فقال: لو اعتزلت الناس وأقمت في هذا الشعب ولا أفعل حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأمره فقال:"لا تفعل؛ فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في أهله ستين عاما". [7]
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ:
(1) رواه أحمد في مسند أبي سعيد رضي الله عنه (11349) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (2543) .
(2) فيض القدير (3/ 97)
(3) رواه أحمد (13306) ، وابن أبي شيبة في الجهاد (5/ 269) ، وصححه الهيثمي (4/ 215) ، وقال الزين في المسند (11/ 278) : إسناده حسن.
(4) النهاية في غريب الحديث (2/ 669)
(5) رواه أبو داود في الجهاد باب النهي عن السياحة (2127) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2093) ورواه الحاكم في المستدرك (2357) وقال صحيح ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (9/ 161) وشعب الإيمان (4062) ، والطبراني في الكبير (7661) ومسند الشاميين (1493) ، وابن أبي حاتم في التفسير (10842) ، وقال العراقي في الإحياء (6/ 290) : إسناده جيد، وفي روضة المحدثين (3428) إسناده جيد.
(6) فيض القدير (2/ 575)
(7) فتح الباري لابن رجب (1/ 55)