فهرس الكتاب
قال المباركفوري: (إِلا مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا) : أَيْ إِلا ذَنْب مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا
(أَوْ مُؤْمِن قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) : قَالَ الْعَزِيزِيّ فِي شَرْح الْجَامِع الصَّغِير. هَذَا مَحْمُول عَلَى مَنْ اِسْتَحَلَّ الْقَتْل أَوْ عَلَى الزَّجْر وَالتَّنْفِير إِذَا مَا عُدَّ الشِّرْك مِنْ الْكَبَائِر يَجُوز أَنْ يُغْفَر وَإِنْ مَاتَ صَاحِبه بِلا تَوْبَة اِنْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث بِظَاهِرِهِ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لا يُغْفَر لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا وَعَلَيْهِ يَدُلّ قَوْله تَعَالَى: (وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم) وَهَذَا هُوَ مَذْهَب اِبْن عَبَّاس , لَكِنْ جُمْهُور السَّلَف وَجَمِيع أَهْل السُّنَّة حَمَلُوا مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى التَّغْلِيط , وَصَحَّحُوا تَوْبَة الْقَاتِل كَغَيْرِهِ , وَقَالُوا مَعْنَى قَوْله (فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم) أَيْ إِنْ شَاءَ أَنْ يُجَازِيه تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى (( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) )وَمِنْ الْحُجَّة فِي ذَلِكَ حَدِيث الإِسْرَائِيلِيّ الَّذِي قَتَلَ تِسْعَة وَتِسْعِينَ نَفْسًا ثُمَّ أَتَى تَمَام الْمِائَة إِلَى الرَّاهِب فَقَالَ لا تَوْبَة لَك فَقَتَلَهُ فَأَكْمَلَ بِهِ مِائَة , ثُمَّ جَاءَ آخَر فَقَالَ لَهُ وَمَنْ يَحُول بَيْنك وَبَيْن التَّوْبَة الْحَدِيث.
وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِمَنْ قَبْل هَذِهِ الأُمَّة فَمِثْله لَهُمْ أَوْلَى لِمَا خَفَّفَ اللَّه عَنْهُمْ مِنْ الأَثْقَال الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ قَبْلهمْ. ا. هـ [1]
عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَخْطُبُ وَكَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سَمِعْتُهُ يَخْطُبُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلا: الرَّجُلُ يَقْتُلُ الْمُؤْمِنَ مُتَعَمِّدًا، أَوْ الرَّجُلُ يَمُوتُ كَافِرًا ) ) [2]
قال السندي: وَكَأَنَّ الْمُرَاد كُلّ ذَنْب تُرْجَى مَغْفِرَته اِبْتِدَاء إِلا قَتْل الْمُؤْمِن فَإِنَّهُ لا يُغْفَرُ بِلا سَبْقِ عُقُوبَة، وَإِلا الْكُفْر فَإِنَّهُ لا يُغْفَرُ أَصْلًا، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الْقَتْلِ مُسْتَحِلًا لا يَبْقَى الْمُقَابَلَة بَيْنه وَبَيْن الْكُفْر، ثُمَّ لا بُدَّ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَتُبْ، وَإِلا فَالتَّائِبُ مِنْ الذَّنْب كَمَنْ لا ذَنْب لَهُ كَيْف وَقَدْ يَدْخُلُ الْقَاتِل وَالْمَقْتُول الْجَنَّة مَعًا كَمَا إِذَا قَتَلَهُ وَهُوَ كَافِر ثُمَّ آمَنَ وَقُتِلَ وَلَعَلَّ هَذَا بَعْدَ ذِكْرِهِ عَلَى وَجْه التَّغْلِيظ وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم. ا. هـ [3]
(1) عون المعبود شرح سنن أبي داود (9/ 307) .
(2) رواه النسائي في تحريم الدم (3919) ، وأحمد (16202) ، والحاكم وصححه، وصححه الألباني في صحيح النسائي.
(3) شرح سنن النسائي للسندي (5/ 382) .