فهرس الكتاب
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمّه) مُبَالَغَة فِي إِيضَاح عُمُوم النَّهْي فِي كُلّ أَحَد , سَوَاء مَنْ يُتَّهَم فِيهِ , وَمَنْ لا يُتَّهَم , وَسَوَاء كَانَ هَذَا هَزْلًا وَلَعِبًا , أَمْ لا ; لأَنَّ تَرْوِيع الْمُسْلِم حَرَام بِكُلِّ حَال , وَلأَنَّهُ قَدْ يَسْبِقهُ السِّلاح كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَة الأُخْرَى , وَلَعْن الْمَلائِكَة لَهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ حَرَام. ا. هـ [1]
فهنا النهي عن مجرد الإشارة ولو كانت هذه الإشارة بحديدة، فما بالك بسلاح .. فلا بد من الانتباه لذلك، فيحرم هذا الأمر حتى ولو كان على سبيل المزاح، لأن الشيطان ينزغ بين الناس ليوقع بينهم الشرور.
عن أبي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلاحِ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي، لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ ) ) [2]
قال الحافظ في الفتح: (لا يُشِير أَحَدكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلاحِ) وَهُوَ نَفْي بِمَعْنَى النَّهْي , وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ"لا يُشِرْ"بِغَيْرِ يَاء وَهُوَ بِلَفْظِ النَّهْي وَكِلاهُمَا جَائِزٌ.
(فَإِنَّهُ لا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَان يَنْزِغ فِي يَده) قَالَ الْخَلِيل فِي الْعَيْن نَزَغَ الشَّيْطَان بَيْنَ الْقَوْم نَزْغًا حَمَلَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض بِالْفَسَادِ وَمِنْهُ (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَان بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)
وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَمَعْنَاهُ قَلَعَ , وَنَزَعَ بِالسَّهْمِ رَمَى بِهِ.
وَالْمُرَاد: أَنَّهُ يُغْرِي بَيْنَهُمْ حَتَّى يَضْرِب أَحَدهمَا الآخَر بِسِلاحِهِ فَيُحَقِّق الشَّيْطَان ضَرْبَته لَهُ.
وَقَالَ اِبْن التِّين: مَعْنَى يَنْزِعهُ يَقْلَعهُ مِنْ يَده فَيُصِيب بِهِ الآخَر أَوْ يَشُدّ يَده فَيُصِيبهُ.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: ضَبَطْنَاهُ وَنَقَلَهُ عِيَاض عَنْ جَمِيع رِوَايَات مُسْلِم بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَمَعْنَاهُ يَرْمِي بِهِ فِي يَده وَيُحَقِّق ضَرْبَته , وَمَنْ رَوَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ فَهُوَ مِنْ الإِغْرَاء أَيْ لَهُ تَحْقِيق الضَّرْبَة.
قَوْله (فَيَقَع فِي حُفْرَة مِنْ النَّار) هُوَ كِنَايَة عَنْ وُقُوعه فِي الْمَعْصِيَة الَّتِي تُفْضِي بِهِ إِلَى دُخُول النَّار
قَالَ اِبْن بَطَّال: مَعْنَاهُ أَنَّ أَنْفَذَ عَلَيْهِ الْوَعِيد.
وَفِي الْحَدِيث النَّهْي عَمَّا يُفْضِي إِلَى الْمَحْذُور وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَحْذُور مُحَقَّقًا سَوَاء كَانَ ذَلِكَ فِي جَدّ أَوْ هَزْل. ا. هـ
(1) شرح مسلم (8/ 448) .
(2) رواه البخاري في الفتن (7072) ، ومسلم في البر والصلة (4742) ، وأحمد (7865) .