فهرس الكتاب
6 ـ الاحتراز عن القتال في الفتنة:
عن أبي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، أَلا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي فِيهَا، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي إِلَيْهَا، أَلا فَإِذَا نَزَلَتْ أَوْ وَقَعَتْ: فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ.
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ وَلا غَنَمٌ وَلا أَرْضٌ؟
قَالَ: يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ، ثُمَّ لِيَنْجُ إِنْ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ؛ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ.
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ أَوْ إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ أَوْ يَجِيءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِي؟
قَالَ: يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ )) [1]
قال النووي: وَهَذَا الْحَدِيث وَالأَحَادِيث قَبْله وَبَعْده مِمَّا يَحْتَجّ بِهِ مَنْ لا يَرَى الْقِتَال فِي الْفِتْنَة بِكُلِّ حَال. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي قِتَال الْفِتْنَة , فَقَالَتْ طَائِفَة: لا يُقَاتِل فِي فِتَن الْمُسْلِمِينَ , وَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْهِ بَيْته , وَطَلَبُوا قَتْله , فَلا يَجُوز لَهُ الْمُدَافَعَة عَنْ نَفْسه ; لأَنَّ الطَّالِب مُتَأَوِّل , وَهَذَا مَذْهَب أَبِي بَكْرَة الصَّحَابِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَغَيْره.
وَقَالَ اِبْن عُمَر وَعِمْرَان بْن الْحُصَيْن رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَغَيْرهمَا: لا يَدْخُل فِيهَا , لَكِنْ إِنْ قُصِدَ دَفَعَ عَنْ نَفْسه.
فَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى تَرْك الدُّخُول فِي جَمِيع فِتَن الإِسْلام.
وَقَالَ مُعْظَم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّة عُلَمَاء الإِسْلام:
يَجِب نَصْر الْمُحِقّ فِي الْفِتَن , وَالْقِيَام مَعَهُ بِمُقَاتَلَةِ الْبَاغِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى (( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ) )وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح , وَتُتَأَوَّل الأَحَادِيث عَلَى مَنْ لَمْ يَظْهَر لَهُ الْحَقّ , أَوْ عَلَى طَائِفَتَيْنِ ظَالِمَتَيْنِ لا تَأْوِيل لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا , وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الأَوَّلُونَ لَظَهَرَ الْفَسَاد , وَاسْتَطَالَ أَهْل الْبَغْي وَالْمُبْطِلُونَ. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: (أَرَأَيْت إِنْ أُكْرِهْت حَتَّى يُنْطَلَق بِي إِلَى أَحَد الصَّفَّيْنِ , فَضَرَبَنِي رَجُل بِسَيْفِهِ , أَوْ يَجِيء سَهْم فَيَقْتُلنِي؟ قَالَ يَبُوء بِإِثْمِهِ وَإِثْمك , وَيَكُون مِنْ أَصْحَاب النَّار) مَعْنَى (يَبُوء بِهِ) يَلْزَمهُ , وَيَرْجِع ,
(1) رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة باب نزول الفتن كمواقع القطر (5138) ، وأبو داود في الفتن والملاحم (3714) ، واحمد (19517)