الصفحة 4 من 19

بكى أبو سليمان يومًا فقال له ابن أبي الحواري ما يبكيك؟ قال: ويحك يا أحمد كيف لا أبكي وقد بلغني أنه إذا جن الليل وهدأت العيون وخلا كل خليل بخليله واستنارت قلوب العارفين وارتفعت هممهم إلى ذي العرش وافترش أهل المحبة أقدامهم بين يدي مليكهم في مناجاته ورددوا كلامه بأصوات محزونة جرت دموعهم على خدودهم وتقطرت في محاريبهم خوفًا واشتياقًا، فأشرف عليه الجليل جل جلاله فنظر إليهم فأمدهم مهابة وسرورًا، وقال: يا جبريل ناد فيهم ما هذا البكاء الذي أسمع؟ وما هذا التضرع الذي أرى منكم؟ هل سمعتم أو أخبركم عني أحد أن حبيبًا يعذب أحباءه؟ أو ما علمتم أني كريم؟ فكيف لا أرضى؟ أيشبه كرمي أن أرد قومًا قصدوني؟ أم كيف أذل قومًا تعززوا بي؟ أم كيف أحجب غدًا أقوامًا آثروني على جميع خلقي وعلى أنفسهم وتنعموا بذكري؟ فبي حلفت لأبعدن الوحشة عن قلوبهم ولأكونن أنيسهم إلى أن يلقوني فإذا قدموا علي يوم القيامة فإن أول هديتي إليهم أن أكشف لهم عن وجهي حتى ينظروا إلي وأنظر إليهم، ثم لهم عندي ما لا يعلمه غيري!! ثم قال الداراني: يا أحمد إن فاتني ما ذكرت لك فيحق لي أن أبكي دمًا بعد الدموع [1] .

هؤلاء الذين قد يئسوا من الدنيا ويئست منهم، فلو رأيتهم لرأيت رجالًا إذا جنهم الليل مزقوه بسكاكين السهر، إن القوم أعطوا المجهود من أنفسهم فلما دبرت المفاصل من الركوع وقرحت الجباه من السجود وتغيرت الألوان من السهر ضجوا إلى الله بالاستغاثة فهم أحلاف اجتهاد لا يسكنون إلى غير الرحمن. تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [السجدة:16] .

بكى الباكون للرحمن ليلًا وباتوا دمعهم لا يسأمونا

بقاع الأرض من شوق إليهم تحن متى عليها يسجدونا

أهل الليل:: هم عباد الرحمن الذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا، انتزعوا نفوسهم من وثير الفرش، وهدوء المساكن، وسكون الليل، وسكون الكون، غالبوا هواتف النوم، وآثروا الأنس

(1) [رهبان:520] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت