الصفحة 5 من 19

بالله، والرجاء في وعد الله، والخوف من وعيده، أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبّهِ [الزمر:9] .

عبادٌ لله قانتون متقون، قَلِيلًا مّن الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17، 18] .

لصلاة الليل عندهم أسرارها، وللأذكار في نفوسهم حلاوتها، وللمناجاة عندهم لذّتها، يقول أبو سليمان الداراني رحمه الله:"أهل الليل في ليلهم ألذّ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل لما أحببت البقاء في الدنيا" [1] ، ولما حضرت ابن عمر رضي الله عنهما الوفاة قال: (ما آسى على شيء من الدنيا إلا عن ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل) [2] .

الله أكبر، ما طاب لهم المنام لأنهم تذكروا وحشة القبور، وهول المُطَّلع يوم النشور، يوم يُبعَث ما في القبور، ويُحصَّل ما في الصدور، ولهذا قال قتادة رحمه الله:"ما سهر الليل بالطاعة منافقٌ" [3] .

قد هدّ أجسامهم الوعيد وغير ألوانهم السهر الشديد يتلذذون بكلام الرحمن، ينوحون به على أنفسهم نوح الحمام. يرون أن من أعظم نعم محبوبهم عليهم أن أقامهم وأنام غيرهم واستزارهم وطرد غيرهم وأهلهم وحرم غيرهم.

عبادٌ لله صالحون، تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16، 17] .

لقد تعدَّدت مقاصدهم، واختلفت مطالبهم، وتنوّعت غاياتهم، والليل هو منهلُهم وموردهم، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ [البقرة:60] . فهذا محبٌ يتنعّم بالمناجاة، وذلك محسنٌ يزداد في الدرجات، ويسارع في الخيرات، ويجدّ في المنافسات، وآخر خائفٌ يتضرّع في طلب العفو، ويبكي على الخطيئة والذنب، ورَاجٍ يلحّ في سؤاله، ويصرّ على مطلوبه، وعاصٍ مقصّر يطلب

(1) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (9/ 836 - المخطوط) .

(2) أخرجه ابن سعد في الطبقات (4/ 185) ، وابن أبي شيبة في المصنف (7/ 230) ، وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيقه للسير (3/ 232) :"إسناده صحيح".).

(3) أخرجه ابن المبارك في الزهد (93) قال: أخبرنا همام، عن قتادة قال:"كان يقال"فذكره).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت