النجاة، ويعتذر عن التقصير وسوء العمل، كلهم يدعون ربهم، ويرجونه خوفًا وطمعًا، فأنعم عليهم مولاهم، فأعطاهم واستخلصهم واصطفاهم، وقليل ما هم.
اكتفوا من الليل بيسير النوم، مشتغلين بالصلاة والقرآن والذكر والصوم، تلكم هي همم القوم، وتأملوا هذه الآيات العظيمة: وَمِنَ الَّيْلِ فَسْجُدْ لَهُ وَسَبّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا إِنَّ هَاؤُلاَء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا [الإنسان:26، 27] .
إذا ما الليل أظلم كآبدوه فيسفر عنهم وهم ركوعُ
أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوع
لهم تحت الظلام وهم سجود أنين منه تنفرج الضلوع
قال أبو الزناد: كنت أخرج من السحر إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فلا أمر ببيت إلا وفيه قارئ، وكنا نحن فتيان نريد أن نخرج لحاجة فنقول: موعدكم قيام القراء.
قال الحسن بن عرفة ليزيد بن هارون: يا أبا خالد: ما فعلت العينان الجميلتان؟ قال: ذهب بهما بكاء الأسحار!
وقال الحسن: كان عمر رضي الله عنه يمر بالآية من ورده بالليل فيبكي حتى يسقط ويبقى في البيت يعاد للمرض.
وكان ابن عمر يحي الليل صلاة ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فيقول: لا، فيعاود فإذا قال: نعم، قعد يستغفر الله حتى يصبح.
وكان عتبة الغلام يقول في ليله على ساحل البحر: إن تعذبني فإني لك محب، وإن ترحمني فإني لك محب، فلم يزل يرددها ويبكي حتى يصبح.
رجع أبو ريحانة من بعث غزا فيه، فلما انصرف أتى أهله فتعشى ثم دعا بوضوء فتوضأ ثم قام إلى مسجده فقرأ سورة ثم أخرى فلم يزل مكانه حتى أذن المؤذن فأتته امراته فقالت: قد غزوت فتعبت ثم قدمت إلي ولم يكن لي منك نصيب! فقال: بلى، لو ذكرتني لكان لك علي حق. قالت: فما الذي يشغلك يا أبا ريحانة؟ قال: لم يزل يهوى قلبي فيما وصف الله في جنته حتى سمعت المؤذن!