الصفحة 8 من 19

وهكذا عرفوا أسرار الليل وعاشوا صفاءه وجماله فلم يعدلوا به شيئًا، ولئن توهم متوهم جنته في دنياه ومتاعه فإن جنة المؤمن في محرابه كان عبد العزيز بن أبي رواد: يفرش له الفراش فيضع يده عليه ويقول: ما ألينك ولكن فراش الجنة ألين منك، ثم يقوم إلى صلاته.

قيل لحسان بن أبي سنان في مرضه: ما تشتهي؟ قال: ليلة بعيدة ما بين الطرفين أحيي ما بين طرفيها.

بكى أبو الشعثاء عند موته فقيل له ما يبكيك؟ فقال: لم أشتف من قيام الليل!!

فيا لشوق عَمَر قلوبهم، ويا لأسرار تكشفت لهم في ذلك الليل فأسهرتهم حين نام الغافلون، وأشجتهم حين غفل الخليون.

روائع الأسحار::

وقت السحر وقيام الليل يعني انقطاعٌ عن صخب الحياة، واتصال بالكريم الأكرم جل وعلا، وتلقي فيوضه ومنحه، والأنس به والتعرض لنفحاته والخلوة إليه.

الليل أيها البطال ميدان ذوي الهمم العالية من أصحاب العبادات والدعوات، هو الزاد الصالح لرحلة الحياة، أما الذين يحبون العاجلة، فصغار الهمم صغيرو المطالب، يغرقون في العاجلة، وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا، وفي هذا يقول بعض السلف:"كيف يرجو النجاة من سوء الحساب من ينام الليل ويلهو بالنهار؟!!".

في صلاة الليل يحيا بها - بإذن الله - ميِّت القلوب، وتشحَذ بها فاتر الهمم، قربةٌ إلى الله، ومنهاةٌ عن الإثم، وتكفيرٌ للسيئات، ومطردةٌ للداء عن الجسد، وفي الحديث:"عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم" [1] ، يقول وهب بن منبه رحمه الله:"قيام الليل يشرف به"

(1) أخرجه الترمذي في الدعوات، باب: في دعاء النبي (3549) من حديث بلال رضي الله عنه، وقال:"هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث بلال إلا من هذا الوجه ولا يصح من قبل إسناده"، وذلك لأن فيه محمدًا القرشي وهو محمد بن سعيد الشامي كذبوه، ثم ذكره معلقًا من وجه آخر من حديث أبي أمامة، وقال:"وهذا أصح من حديث أبي إدريس عن بلال"، وحديث أبي أمامة وصله الطبراني في الكبير (8/ 92) ، وصححه ابن خزيمة (2/ 176) ، والحاكم (1/ 354) ، وقال الهيثمي في المجمع (2/ 251) :"فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال عبد الملك بن شعيب بن الليث: ثقة مأمون، وضعفه جماعة من الأئمة"، ولكن له شاهد من حديث سلمان عند الطبراني في الكبير، وبه حسنه الألباني في صحيح الترغيب (624) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت