فمن تأمل وسمع الوقائعَ، وأيامَ الله في الخلق، وعَلِم ارتباطها بأسبابها الحسنة والسيئة: عَلِم بذلك وحدانيةَ الله وربوبيتَه وكمالَ عدلِه وسعةَ فضلِه؛ فضلًا عن الاستدلال بها على وجوده، ووجوبِ وجوده.
فإن كل ما دلَّ على شيء من أوصافه وأفعاله؛ فإنه يتضمن إثباتَ ذاتِه ووجوبَ وجوده.
وعَلِم استنادَ العوالم العلويةِ والسفليةِ إليه في إيجادها وبقائها وحفظها وإمدادها بكل ما تحتاج إليه.
فصلٌ تابع لما قبله
[طرق معرفة الله واسعة غير منحصرة]
واعلم أن طرقَ معرفةِ الله واسعةٌ جدًا؛ وذلك بحسَبِ حاجةِ الخلق وضروراتِهم إليها، وكلٌّ يعبّر عنها بعباراتٍ؛ إما كلية وإما جزئية؛ بحسب الحال التي تحضره، وبحسَبِ الأمورِ التي تغلب عليه.
وإلا فكلُّ ما خَطَر في القلوب، وشاهدته الأبصار، وأدركته الحواس والمشاعر، وكلُّ متحركٍ وساكنٍ، وكلُّ حيوانٍ وجماد: أدلةٌ وبراهينُ على وحدانية الله، وآيات عليه.
وفي كلِّ شيء له آيةٌ
تدل على أنه واحدُ
ولكن الجزئيات تسبق إلى الأذهان، وتفهمها القلوبُ تفصيليًا، ويحصلُ بها النفعُ والفائدةُ العاجلة؛ لسهولتها وبساطتها، وكونها تدرك بالبديهة، فلنذكر لها أمثلةً وحكاياتٍ عن المتقدمين والعصريين، وكلٌّ يفهم منها ما يناسبه ويليق بفهمه:
[أمثلة وحكايات في الاستدلال على الله]
* سئل بعضهم: بم عرفت ربك؟ فقال: إن البَعْرةَ تدل على البعير، وآثارَ السيرِ تدل على المسير؛ فسماءٌ ذات أبراج، وأرض ذات فِجَاجٍ، وبحارٌ ذات أمواج؛ ألا تدل على اللطيف الخبير؟
* واجتمع طائفةٌ من الملاحدة ببعض أهل العلم ـ أظنه أبا حنيفة ـ فقالوا: ما الدلالةُ على وجودِ الصانع؟ فقال لهم: دعوني فخاطري مشغولٌ بأمر غريب، قالوا: ما هو؟ قال: بلغني أن في دجلةَ سفينةً عظيمةً، مملوءة من أصناف الأمتعة العجيبة، وهي ذاهبة وراجعة من غير أحدٍ يحركها، ولا رُبَّانٍ يقوم عليها.