الصفحة 17 من 44

فقالوا له: مجنونٌ أنت؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: هذا يصدقه عاقل؟ فقال لهم: فكيف صدقت عقولُكم أن هذا العالمَ؛ بما فيه من الأصناف والأنواع والحوادثِ العجيبة، وهذا الفَلَكَ الدوارَ السيَّارَ: يجري وتجري هذه الحوادثُ بغير محدِث، وتتحرك هذه المتحركاتُ بغير محرِّك، فرجعوا على أنفسهم بالملام.

* وقيل لبعضهم: بم عرفت ربك؟ فقال: هذه

النطفةُ التي يلقيها الفحل في رحم الأنثى، فيطوِّرها الله

من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى آخر أطوارها، فيكون

بشرًا سويًا كاملَ الأعضاء الظاهرة والباطنة.

له سمعٌ يسمع به الأصوات، وبصرٌ يبصر به المشاهدات، وعقلٌ يهتدي به إلى مصالحه، ويدان يبطش بهما، ويعمل بهما الأعمال الدقيقة، ورجلان يمشي بهما، وأعضاءُ كثيرة خلقت لمنافع أخرَ معروفة، وله منافذُ يدخل منها ما يغذي البدنَ، ومنافذُ أخرُ يخرج منها ما يضره.

وقد رُكِّب هذا التركيبَ العجيبَ الذي لو اجتمعت الخلق على إيجاد شخصٍ واحد على هذا الخلق المحكم العجيب؛ لعجزت معارفهم وقُدَرُهم [1] عن ذلك، أليس ذلك دليلًا وبرهانًا على وجودِ الخالق وعظمتِه ووحدانيتِه؟

قلت: وقد ذكر الله هذا البرهانَ في كتابه في أساليب متنوعة.

* وقيل لبعضهم: بم عرفتَ ربك؟ قال: بنقضِ العزائم والهمم.

ومعنى ذلك: أن العبد يعزم في كثير من أموره عزمًا جازمًا مصممًا لا تردد فيه، ثم بعد ذلك تنتقض همته، وينحلُّ عزمه إلى تركه، وإلى أمرٍ آخر يرى فيه مصلحته.

وما ذلك إلا لأن اللهَ على كل شي قدير، يصرف القلوبَ كما يدبرُ الأبدانَ، وقد يصرفه عن بعض ما يعزم عليه لطفًا به، وإبقاءً على إيمانه ودينه، فيتلطَّف به من حيث لا يشعر؛ فنسأله اللطفَ في الأمور كلها، والتيسير لليسرى.

(1) - التشكيل في أصل النسخة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت