الصفحة 18 من 44

* وسئل بعضهم: بم عرفت ربك؟ فقال: كم كنتُ مكروبًا ففرج كربتي، وكنتُ مريضًا فدعوته فشفاني، وكنتُ فقيرًا فأغناني، وكنتُ ضالاًّ عن الهدى فتلطف بي وهداني، وليس هذا الأمر لي وحدي؛ فكم له على عباده من هذه النعم وغيرها مما لا حصرَ له ولا عدَّ، وهذا يضطرني إلى الاعتراف بوحدانيته وقدرته ورحمته.

* وقيل لبعضهم: بم عرفتَ الله؟ فقال: قد رأينا ورأى الناسُ في الدنيا مصارعَ البغاةِ المجرمين وعواقبهم الوخيمة، كما رأينا ورأوا في المحسنين عواقبهم الحميدة، فعجَّل للعبادِ نموذجًا من الثواب والعقاب، ليعرفوه، ويخضعوا له وحده، ويعبدوه وحده.

* وقيل لآخر: بم عرفتَ الله؟ فقال: بإيصاله النعمَ إلى خلقه وقت الحاجة والضرورة إليها.

هذا الغيثُ ينزله وقتَ الحاجة، ويرفعه إذا خِيف

منه الضرر، وهذا الفرج يأتي إذا اشتدت الأزمات، وهذه المطالبُ تأتي منه وقت الحاجة إليها، وهذه أعضاءُ الآدمي

وقواه؛ يعطيها الله إياها شيئًا فشيئًا بحسب حاجته إليها.

فهل يمكن أن تكون هذا الأمورُ صدفةً؟ أم يُعلم بذلك علمَ اليقين أن الذي أعطاهم إياها وقتَ الحاجة والضرورة هو الربُّ المعبود، الملك المحمود؟

قلتُ: ومن هذا الباب ما نتكلم فيه من معرفة الله؛ فإنه لما كانت حاجةُ العبادِ إلى معرفة الله فوق جميع الحاجات، والضرورةُ إليها تفوق جميع الضرورات؛ يسَّرها الله لعبادِه ونهج لهم طرقَها، وفتح لهم أبوابَها ومسالَكها، وأوضحَ أدلتها، وذلك لشدة الحاجة إليها، وسعة رحمةِ الله وإحسانه.

* وقيل لبعضهم: بم يُعرَف الله؟ فقال: يُعرَف بأنه علَّم الإنسانَ ما لم يعلم، خرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا، فأعطاه آلاتِ العلم، ويسَّر له أسبابه، فلم يزل يتعلم أمور دينه حتى صارَ عالمًا ربانيًا، ولم يزل يتعلم أمور دنياه حتى صار ماهرًا مخترعًا للعجائب، ويسَّر له كلَّ سبب ينال به ذلك.

ومن عجيبَ الأمر أن اللوحَ إذا كتب فيه، وشُغِل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت