بشيء من الأشياء؛ لم يسع غيرها، ولم يمكن أن يكتب فيه
شيء آخر قبل مَحْيِ [1] ما كُتِب فيه، وقلبُ الإنسانِ لا
يزال يحفظ ويعقل الأمورَ والمعارفَ المتنوعة.
وكلما توسعت معارفُه وغزر علمُه: قويت حافظته، واشتدَّت ذاكرته، وتوسعت أفكارُه، فهل هذه الأمورُ في طوق البشر وقدرتهم؟ أم هذا من أكبر البراهينِ على عظمةِ الله ووحدانيته وكماله وسعة رحمته؟
* وقيل لبعضهم: بم يعرف الله؟ فقال: هذه النواةُ يغرسها الناسُ؛ فيأتي منها النخيلُ والأشجارُ المتنوعة، وتخرج الثمارُ اللذيذةُ النافعة، وهذه الحبوبُ تلقى في الأرضِ فتخرج أصنافُ الزروعِ التي هي مادَّةُ أقواتِ الآدميين وبهائمهم، ثم لا تزال تعاد وتُغَلُّ كلَّ عام ما يكفي العبادَ ويزيد عن حاجتِهم.
أليس هذا برهانًا ودليلًا على وجود الله وقدرته، وعنايته بعباده ورحمته؟
وقد نبَّه الله على هذا الدليل والبرهان العقلي المشاهد في قوله تعالى: {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعام: 95] ، وقوله: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ} {أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 63، 64] .
* وقيل لمن بادر إلى الإيمانِ بالرسول صلّى الله عليه وسلّم: ما الذي دعاك إلى ذلك؟ فقال: رأيتُه ما أمر بشيء فقال العقل: ليته
لم يأمر به، ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته أمر به.
فاستدلَّ بنور عقلِه وقوة بصيرته على صدق الرسول باشتمال ما جاء به على الصلاح ودفع الفساد، وأن ذلك موافق للعقول السليمة.
* وقيل لبعض العارفين: بأي شي يعرف الله؟ فقال: بذوق حلاوة الطاعاتِ، وتجرُّعِ مرارة المخالفات.
(1) - المحي: من قولهم: محاه يمحوه أو يمحيه؛ محوًا أو محيًا: أي أذهب أثره؛ على ما في القاموس المحيط.