وهذا استدلال برهانيٌّ وجدانيٌّ، لمن وُفِّق لهذه الحال، يضطرُّ العبدَ إلى كمالِ الإيمان وزيادة اليقين؛ فإن من وجد حلاوة الطاعات والإيمان، وذاق لذة اليقين، وتألم إذا غلبته النفسُ الأمارةُ بالسوءِ على اقتحام بعض المعاصي، اضطره الأمرُ إلى معرفه الله ووحدانيته.
* وقيل لبعضهم: بأي شيء يُعرَفُ الله؟ فقال: بانتظام الأسباب على وتيرة واحدة، ثم بتحويله لبعضها ومنع سببيته، وبإيجادِه أشياءَ بغير أسبابٍ تعرف.
وهذا صحيح، فإنه تعالى أجرى الأمورَ على أسبابها ومسبَّباتها قدرًا وشرعًا؛ ليُعرف بذلك حكمتُه البالغة، ولينشط العاملون على أعمالهم التي ربطها الله بمسبِّباتها، وأجراها على سنته، ثم إنه مع ذلك منع بعضَ الأسبابِ عن ترتب آثارها عليها، كما في معجزات الأنبياء الخارقة للعادة،
وكرامات الأولياء [1] .
وكذلك يوجد كثيرًا من الأشياء بغير الأسباب المعهودة، كما أوجدَ عيسى من أمٍّ بلا أب، ويحيى بين أبوين لا يولد لمثلهما.
وأشياءَ كثيرة من هذا النوع؛ ليعرِف العبادُ أنه المتصرِّفُ التصريفَ المطلقَ، وأنه كما يتصرَّف بالأشياء بأسبابها المعلومة المرتبطة بها؛ كذلك يتصرف فيها بغير المعهودة.
ولهذا كان جمهورُ هذا النوعِ من معجزات الأنبياء والكرامات للأولياء، وقد تكون لغيرهم، وهي كلها براهينُ على وحدانية الله وإلاهيَّتِه وربوبيته.
* وقيل لبعضهم: بم يُعرَف الله؟ فقال: من نظر في موادِّ الرزق، وتأمل حالة من لهم موجوداتُ كثيرة، وعقارات وغلاَّت كثيرة، ولكنهم قد اتكلوا عليها، فضاقت عليهم الأمور، وركبتهم الديون، وجاءت الأمور على خلاف ما يأملون.
ثم نظر إلى أناسٍ كثيرين؛ ليس لهم عقارات ولا
(1) - مثّل الشيخ ابن عقيل هنا: بإبراهيم عليه السلام ما أحرقته النار، وإسماعيل عليه السلام ما قطع السكين حلقه ـ على ما روي ـ.