الصفحة 11 من 15

فحقيقةُ التوكُّل تجمعُ أَمرين: الاعتمادَ على الله، والثقةَ بالله، فيعتمدُ على ربّه بقلبه في جلب ما ينفعُهُ في أَمر دينه ودنياه، فَيَبْرَأُ من نفسه وحَولِها وقُوَّتِها، ويثقُ بالله في حصولما ينفعُهُ، ودفْع ما يضرُّهُ، ويجتهدُ في الأسباب التي بها يتوصَّلُ إلى المطلوب.

وتفصيلُ ذلك: أنَّهُ إذا عزمَ على فعل عبادةٍ بَذَلَ جهدَهُ في تكميلها وتحسينها، ولا يُبْقي من مجهوده مقدورًا، وتبرَّأ من النَّظر إلى نفسه وقوَّتها، بل لجأ إلى ربّه، واعتمدَ عليه في تكميلها، وأَحسنَ الظنَّ، ووثقَ في حصول ما توكَّلَ به عليه.

وإذا عزمَ على ترك معصيةٍ - قد دعتْهُ نفسُهُ إليها - بَذَلَ جهده في الأسباب الموجبة لتركها - من التفكُّر بها، وصَرْف الجوارح عنها-، ثمَّ اعتمدَ إلى الله، ولجأَ إليه في عصمته منها، وأَحسنَ الظنَّ به في عصمته له، فإنَّه إذا فعلَ ذلكَ في جميع ما يأتي ويَذَرُ، رُجِيَ له الفلاحُ - إن شاءَ اللهُ تعالى -

وأمّا مَن استعانَ بالله وتوكَّلَ عليه، مع تركه الاجتهادَ اللازمَ له، فهذا ليسَ بتوكُّلٍ، بل عجزٌ ومهانةٌ.

وكذلكَ مَن يَبذلُ اجتهادَهُ، ويعتمدُ على نفسه، ولا يتوكَّلُ على ربِّه، فهو مخذولٌ.

12.عبدوا الإلهَ على اعتقاد حضورِهِ*** فتبوّءوا في منزل الإحسانِ

-هذه المنزلةُ يقالُ لها: منزلةُ الإحسان [1] ، وهي - كما فسَّرَها النبيُّ: (( أَنْ

تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ )) [2] ،

(1) -قال ابنُ القيّم في (المدارج) (2/ 429) : (( هي لُبُّ الإيمان، ورُوحُهُ، وكماله، وهذه المنزلةُ تَجمَعُ جميعَ المنازلِ، فجميعُها مُنطويةٌ فيها ) ).

(2) - رواه البخاري (5) ، ومسلم (9) عن أبي هريرة.

ورواهُ مسلمُ (8) عن عُمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت