فإذاَ تصوَّر الإنسانُ هذا المقامَ في جميع أَحواله - لا سيّما حال العبادة: مَنَعَهُ من الالتفات بقلبه إلى غير ربّه، بل أَقبلَ بكُلِّيَّتِهِ على الله، وتوجَّهَ بقلبه إليه، مُتأدِّبًا في عبادته، آتِيًا بجميع ما يكمّلُها، مجتنبًا كلَّ مُنْقِصٍ لها.
وهذه المنزلةُ من أعظم المنازل وأَجَلّها، ولكنّها تحتاجُ إلى تدريجٍ للنفوس شيئًا فشيئًا.
ولا يزالُ العبدُ يُعوّدها نفسَه حتّى تنجذبَ إليها وتعتادَها، فيعيشَ العبدُ قريرَ العين بربّه، فرِحًا مسرورًا بقُربه.
13.نصحوا الخليقةَ في رضى محبوبهم***بالعلم والإرشاد والإحسانِ
14.صحبوا الخلائقَ بالجُسوم وإنَّما*** أَرواحُهم في منزلٍ فَوقاني
-هذه حالُهم مع الخَلق، أَكملُ حالٍ وأَجلُّها، فأَبدَوا لهم غايةَ النُّصح، وأَحبّوا لهم ما أحبُّوا لأَنفسهم من الخير، وكرهوا لهم ما كرهوا لأَنفسهم من الشرّ، فَسَعَوْا في إِزالة الشرّ عنهم بكلّ ممكنٍ، واجتهدوا في إيصال النفع إليهم بكلّ مقدورٍ، مِن أَمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وإطعام جائعهم، وكسوة عاريهم، وإغاثة ملهوفهم، وتعليم جاهلهم، ورَدع ظالمهم، ونصر مظلومهم، واحتمال أذاهم، وكفّهم أذى أَنفسهم عنهم، ومع هذا فصُحبتُهُم لهم بالظاهر والجسم.
وأمّا قلوبُهم وأرواحهم: فإنّها تجُولُ حولَ الحبيب، وتطلبُ مِن قُربه أضعظمَ نصيب، فتارةً تنكسرُ بينَ يديه، وتخشعُ وتخضعُ لديه، وطورًا تشكرهُ بحبّه، وتُدِلُّ عليه لاستحضار بِرّهِ وٌثربِهِ، ثمَّ تميلُ إلى مراضيهِ، فتجتهدٌ في عباداته، وتُحسنُ إلى مخلوقاته، فهؤلاء هم النّاسُ، بل هم العٌقلاءُ الأكياسُ.
ولا حولَ ولا قوَّةَ إلاّ بالله.
15.بالله دعواتُ الخلائق كلّها***خوفًا على الإيمان مِن نقصانِ
-هذه منزلةُ الرِّعاية [1]
(1) - قال ابنُ القيّم في (المدارج) (2/ 60) :
(( هي مُراعاةُ العلمِ وحِفْظُهُ بالعمل، ومُراعاة العمل بالإحسان والإخلاص وحِفظُه من المُفسدات، ومُراعاة الحال بالموافقةِ/ وحِفظُهُ بقطعِ التفريقِ، فالرعايةُ صيانةٌ وحفظٌ ) ).