الصفحة 4 من 15

ولم يتنبَّه من هذه الرَّقدة العظيمة، والمصيبة الجسيمة إلاَّ القليلُ من العُعقلاء، والنادرُ من النُّبلاء، فعلموا أنّ الخسارةَ كلَّ الخسارة الاشتغالُ بما لا يُجدي على صاحبه إلاّ الوَبال والحرمان، ولا يُعوّضُه ممّا يُؤمِّلُ إلاّ الخسران، فآثوا الكاملَ على الناقص، وباعوا الفانيَ بالباقي، وتحمّلوا تعبَ التكليف والعبادة، حتّى صارتْ لهم لذّةَ وعادة، ثمَّ صاروا بعدَ ذلك سادة، فاسمعْ صفاتِهم، واستعنْ بالله على الاتِّصاف بها:

1.سَعِد الذين تجنَّبوا سُبُل الرَّدَى*** وتَيَمَّمُوا لِمَنَازِلِ الرِّضْوَانِ

-هذا هو أَصلُ طريقهم، وقاعدةُ سير فريقهم:

إنَّهم تجنَّبوا طُرُقَ الخُسران، وتيمَّموا طُرُقَ الرّضوان.

تجنّبوا طرقَ الشيطان، وقصدوا عبادةَ الرحمن.

تجنّبوا طُرقَ الجحيم، وتيمّموا سبلَ النعيم

تركوا السيئات، وعملوا على الحسنات.

نزَّهوا قولبَهم وألسنتَهم وجوارحَهم عن المحرَّمات والمكروهات، وشغلوها بفعل الواجبات والمُستحبَّات.

تحلَّوا بالأخلاق الجميلة، وتخلَّو من الأوصاف الرّذيلة.

2.فَهُمُ الّذينَ قد أَخلصوا في مَشْيِهم*** مُتَشَرِّعين بِشِرْعَةِ الإيمانِ

-هاتان القاعدتان - وهما: الإخلاصُ والمُتابعةُ - شرطٌ لكلّ عبادةٍ ظاهرةٍ وباطنة [1] ، فكلُّ عملٍ لا يُرادُ به وجهُ الله فهو باطلٌ، وكلُّ عملٍ لا يكونُ على سُنَّة رسول الله فهو مردودٌ، فإذا اجتمعَ للعمل الإخلاصُ للمعبود - وهو أنْ يُرادَ بالعمل وجهُ الله وحدَه -، والمتابعةُ للرسول - وهو أنْ يكونَ العملُ قد أُمِرَ به - فهذا هو العملُ المقبولُ.

3.وَهُمُ الَّذينَ بَنَوْا منازلَ سَيرِهم*** بينَ الرَّجاء والخوفِ للديَّانِ

-أي: ساروا في جميع أُمورهم مُسْتَصْحِبينَ ومُلازمين للخوف والجاء، وذلكَ أنَّ

(1) - وفي كتاب (العُبودية) لشيخ الإسلام ابن تيمية بيانٌ تفصيليٌّ لِهاتين القاعدتَيْن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت