الصفحة 5 من 15

لهم نظرًا، أي: نظرٌ إلى أَنفسهم وتقصيرهم في حقوق الله: يُحدِثُ لهم الخوفَ، ونظَرٌ إلى مِنَن الله عليهم، وإحسانه إليهم: يُحدِثُ لهم الرجاءَ -.

وأيضًا، ينظرونَ إلى صفات العظمةِ والجلالِ، والحكمةِ والعدلِ، فيخافونَ على أنفسِهم من ترتُّبِ آثارِها، وينظرونَ إلى صفاتِ الرحمة والجود والكَرَم والإحسان، فيرْجونَ ما تقتضيه:

فإنْ فعلوا حسنةً، جمعوا بينَ الخوف والرجاء، فيرجونَ قَبولها، ويخافونَ ردَّها.

وإن عملوا سيئةً، خافوا من عقابها، ورَجَوْا مغفرتَها بِفَضْلِ الله، فهم بينَ الخوف والرجاء يتردَّدونَ، وإليهما دائمًا يفزَعونَ، ومنهما في أمر سيرهم متردِّدونَ، فأُوائك الذينَ أحرزوا قَصَبَ السَّبْق، وأُولئكَ هم المفلحونَ.

4.وَهُمُ الذينَ مَلَأ الإلهُ قلوبَهم*** بودادِه ومحبَّة الرحمنِ

-هذه المنزلةُ - وهي منزلةُ المحبّة [1] - هي أَصلُ المنازل كلّها، ومنها تنشأُ جميعُ الأعمال الصالحة، والأَعمال النافعة، والمنازل العالية.

ومعنى المحبّة: تعلُّقُ القلب بالمحبوب، ولزومُ الحبّ للقلب، فلا تنفكّ عنه، [وهي] تقتضي

من صاحبها الانكفافَ عن ما يكرهُ الحبيبُ، والمبادرة إلى ما يُرضيه بقلبٍمنشرحٍ، وصدرٍ رحيبٍ، فإنْ تكلَّمَ تكلَّمَ بالله، وإنْ سَكَتَ سكتَ لله، وإنْتحرَّكَ فللّه، سَكَنَ فلهُ، ويَحْدُثُ عن الحبّ الشوقُ إلى الله، والقلقُ، فلا يكادُ صاحبُهُ يستقرُّ [2] .

إنِ قيلَ: فهل للمحبّةِ- التي هي أعلى المراتب- من وسيلةٍ وسببٍ؟

(1) - قال العلامةُ ابنُ القيّم في (مدارج السالكين) (3/ 8) :

(( وهي المنزلةُ التي فيها تنافَسَ المُتنافسونَ، وإليها شَخَصَ العاملون، وإلى عَلَمِها شَمَّرَ السابقون، وعليها تَفَانَى المُحِبُّون، وبِرَوْحِ نَسيمِها تروَّحَ العابدونَ، فهي قوتُ القلوبِ، وغِذاءُ الأرواحِ، وقُرَّةُ العيون ) ).

(2) -وذلك بسبب ما يقيمُ عليه نفسَه من عملٍ، ومُجاهدةٍ، ودعوة. . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت