قيلَ: لم يجعل اللهُ مطلبًا إلاّ جعلَ لحصوله سببًا، فمِن أَكبر أسبابها الانكِفَافُ عن كلّ قاطعٍ [1] بالقول والفعل والأفكار الديّة، والإكثارُ من ذكر الله بحضور قلبٍ، وتدبُّر كلامِه الكريم، مُطالِعةً نِعَمَهً العظيمةَ على العبد، وبالوقوف بينَ يديه بحضور قلبٍ، وأَدَبٍ في الوقوف بينَ يديه، ومجالسة المُحبّين، ومجانبة كلّ قاطع (8) ، فَمَن فَعَلَ ذلكَ نالَ محبّةَ الله - إن شاء اللهُ -، واللهُ المُستعانُ.
ولهذا قلتُ:
5.وهُمُ الّذينَ أَكثروا من ذكرِهِ*** في السرّ والإعلان والأَحيانِ
-منزلةٌ شريفةٌ، حاجةُ كلّ إنسان إليها- بل ضرورتُهُ إليها - فوقَ كلّ حاجةٍ،
فذِكرُ الله [2] هو عمارةُ الأوقات، وبه تزولُ الهمومُ والغمومُ والكُدوراتُ، وبه تحصلُ الأفراحُ والمسرَّاتُ، وهو عِمارةُ القلوب المُقفِرات، كما أنَّهُ غِراسُ الجنّأت، وهو مُوصِلٌ لأعلى المقامات، وفيه من الفوائد ما لا يُحصى، ومن الفضائل ما لا يُعدّ ولا ينقضي، قال اللهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا r وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: 41 - 42] ) .
(1) - أي: مِن القواطع عنها، المؤخّرة لها.
(2) - لابنِ القيّمِ في (الوابل الصيِّب) (84 - 167) كلامٌ طويلٌ جدًّا في بيانِ فوائدِ الذِكرِ، أَوصلَها إلى أَكثرَ من سبعين فائدةً.
وفي بعض منها (ص 85) نقلٌ عن شيخِ الإسلامِ ابن تيميةَ قولَه: (( الذكرُ للقلبِ مثلُ الماءِ للسمكِ، فكيفَ يكونُ حالُ السمكِ إذا فارقَ الماءَ؟ ) ).
وفي (ص85 - 86) قالَ: (وحضرتُ شيخَ الإسلام ابن تيمية مرّةً صلّى الفجرَ، ثمّ جلسَ يذكرُ اللهَ - تعالى - إلى قريبٍ من انتصافِ النهارِ، ثمَّ التفتَ إليَّ، وقالَ: هذه غدوتي، ولو لم أتغدّ هذا الغداءَ سَقَطت قوّتي) .